الاحتلال العثماني للنظام العلماني .. بقلم : طارق عبدالله عجيب

الاحتلال العثماني للنظام العلماني .. بقلم : طارق عبدالله عجيب

نجح مصطفى كمال أتاتورك بعد أن خرج العثمانيون في بداية القرن الماضي من المنطقة العربية ، في الحفاظ على تركيا موحدة ومستقلة رغم هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، واستطاع أن يؤسس لدولة علمانية أخرجت الدين من الدولة ، وفرضت لغتها الخاصة وقانونها ودستورها بقوة العسكر الذين نصَبوا أنفسهم حماة للدولة والعلمانية والدستور ، وشرعوا في  بناء الجمهورية التي أرادوا لها أن تكون دولة كبيرة بحجمها الحالي ، ولا ينقصها إلا قيادة تستطيع أن تستثمر ما داخل الحدود لتكون فعالة خارج هذه الحدود ، ولتحقيق ذلك عمل أتاتورك على تحويل وجهة  تركيا من الشرق إلى الغرب ، واستمر عمل الحكومات الأتاتوركية بشكل متتال على بناء علاقات سياسية وتحالفات عسكرية واقتصادية ، واتفاقيات أمنية واستراتيجبة مع دول العالم الغربي ، حيث شاركت في الحرب الكورية إلى جانب الولايات المتحدة، وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسمحت بإقامة قواعد عسكريّة استراتيجية له على أراضيها، فكانت خطّ الدفاع الأول في مواجهة المعسكر السوفياتي طيلة سنوات الحرب الباردة، وصولاً إلى المشاركة في الحلف الذي قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت بعد غزو العراق له  ، إضافة إلى تحالفها مع اسرائيل الحليف الأكبر لأمريكا والغرب الذي جلب لها أكبر الدعم من حلفاء اسرائيل ، وعلى مدى ثمانية عقود حكم فيها العلمانيون ، حققت تركيا مكانة متقدمة بين دول المنطقة ، بعد أن اهتمت تلك الحكومات بتفاصيل الاقتصاد ودعمته في جميع المجالات ما انعكس بشكل كبير وواضح على ميزانية الدولة ، ورشحها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي .
وفي ظل النظام العلماني الذي سمح بحراك سياسي وبرلماني وديمقراطي حر إلى حد ما ، استطاع حزب الرفاه الإسلامي في العقدين الأخيرين من القرن الماضي بزعامة نجم الدين أربكان أن يحقق الفوز في انتخابات برلمانية تركية أوصلته إلى رئاسة الحكومة ، إلا أن المحكمة الدستورية مدعومة بالجيش حامي الجمهورية والعلمانية استطاعت أن تلغي ترخيص الحزب كونه أسس على أساس ديني وبالتالي خسارة أربكان لرئاسة الحكومة ، ومنع حزب الرفاه من العمل السياسي في تركيا .
 و في انتخابات عام / 2002 / تولى حزب العدالة والتنمية الخارج من عباءة حزب الرفاه الإسلامي مقاليد الحكم  وخرج أردوغان من السجن بصفقة سياسية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري الحاكم حينها ليصبح بعدها رئيسا للحكومة ، كما تمكن الحزب من الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية .
استفاد حزب العدالة والتنمية من قوة الدولة التي بنتها الحكومات العلمانية واستثمر حسن علاقاتها مع الاقتصادات العالمية الكبرى ، قي تحقيق تقدّم اقتصادي كبير خلال العقد المنصرم جعل تركيا تحتل المرتبة الـ17 عالميّاً من حيث النموّ الاقتصادي ، هذا التقدم الاقتصادي كان الورقة الأقوى التي أعطت لأردوغان تأييد الشارع التركي لسياساته الداخليّة والخارجية على حد سواء ، بنى عليها لاحقا حربه ضد العلمانية ، وانتقل إلى مشروعه الأهم والأوسع وهو إحياء الحلم العثماني وإعادة أمجاد السلطنة .
امتلاك حزب العدالة والتنمية اكثرية في البرلمان ، سمحت له بفرض تعديلات دستورية تهدف إلى تحرير الدولة من حكم العسكر ، وتقليص صلاحيات المحكمة الدستورية التي كانت تبت وتنهي بالقضايا الاستراتيجية في تركيا ، وبذلك تمكَّن أردوغان من فرط عقد “حماة العلمانيّة” واستبعاد جنرالاتها الذين كانوا يتحكمون بخيوط اللعبة في الداخل والخارج ، كما أعاد رسم توجهات تركيا وتحالفاتها الإقليميّة والدوليّة عبر الانفتاح على دول الجوار كافة ، وبعد أن فقد أردوغان الأمل بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ، أدار الدفة جنوباً رغبة منه في  استعادة دور ” الباب العالي” ، سيما أن لتركيا تاريخ عتيد في هذه المنطقة وإرث إيديولجي يداعب خيالات الكثيرين من الراغبين بعودة حكم آل عثمان  ، كما أن تركيا تترأس مؤتمر القمة الإسلامي منذ فترة طويلة وتتحرك بشكل فعال على هذا الجانب ، هذا التوجه لاقى ترحيباً وقبولاً  في العالمين العربي والإسلامي ، ومهّد الطريق أمام تنامي دور تركيا الإقليمي ، وخاصة أن حزب العدالة والتنمية استثمر الأحداث التي مرت على المنطقة العربية بشكل كبير ، واستطاع من بوابة دمشق حتى عام / 2010 / ، أن ينسج شبكة علاقات وتقاربات مهمة مع عواصم عربية  واقليمية ، وأن يحجز مكاناً لأنقرة على طاولة عملية السلام في الشرق الأوسط ، ما أعطى لأنقرة مكانة ودورا لطالما حلمت تركيا أن تلعبه .
وبعد أن أثبتت أنقرة حضوراً  كبيراً في المنطقة ، بدأت تظهر ما كانت تخفي وتضمر ، فأعلنت احتضان حكومتها ودعمها لحركات الإسلام السياسي العربيّة ، وظهر جلياً تبني حكومة العدالة والتنمية للمشروع الإسلامي السلفي ، وهو ما أكده الحضورالقوي للإخوان المسلمين ، الأصل الذي تفرّعت منه الحركات الإسلاميّة في العالم أجمع ، مؤتمر حزب العدالة والتنمية الأخير الذي جسد حقيقة مفادها أن أحزاب الإسلام السياسي مهما بلغت من التعايش والتكيّف مع النظام العلماني والآليات الديموقراطية ، فإنّها لن تتخلى عن منابع أيديولوجيتها الدينية وارتباطها العضوي بحمَلَتها ، رغم ما تنطوي عليه تلك الأيديولوجيا من بذور عنف واستبداد وإقصاء .

كل ما سبق أكد للعالم عموماً وللأتراك بشكل خاص ، أنّ أردوغان تخلى عن النظام العلماني الذي كان طريق الأتراك لتحقيق حلمهم الأوروبّي ، مقابل حصوله على زعامة الإسلام السياسي وعلى دور إقليمي يريد له البعض أن يكون قطباً يواجه إيران الصّاعدة بقوّة في لعبة التنافس على النفوذ والمصالح ، خلف عنوان الصراع السنّي الشيعي في المنطقة ،

إلا أن مناصري الجمهورية العلمانية وغالبية الشارع التركي باتوا يؤكدون أن أردوغان بتخليه عن علمانية الدولة ، وعن وعده إلغاء كل تشريع وإجراء يعيق الحريات ، وتبنيه للإسلام السياسي ، وجر تركيا إلى حروب بالوكالة رغبة في استنساخ الإمبراطورية  ، قد قطع الغصن الذي تسلّقه للوصول إلى السلطة  .

الرادار – بيروت

   

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com