البشر قبل الحجر بقلم: غسان فطوم

البشر قبل الحجر  بقلم: غسان فطوم
 هناك قطيعة بين جيل الشباب وأهل الخبرة في كل مؤسّسات الدولة، ناتجة عن فشل إداري في الإصلاح الاقتصادي لجهة إعداد الكوادر وتأهيلها، لتكون قادرة على ملء الفراغ الذي يخلّفه أهل الخبرة بعد إحالتهم إلى التقاعد بحكم القانون الذي بكل أسف لا يحوي استثناءات تمكّن من الاحتفاظ بالخبراء الذين لا يُقدّرون بثمن تماماً كشجر الزيتون كلّما عمّر زاد عطاءً فكم هو مؤلم أن نقطعه؟!.
هي مشكلة لم نستطع التغلّب عليها من خلال إعداد التشريعات المناسبة التي تولّد الكفاءات وتحافظ عليها رغم وجود محاولات، لكن لم يكتب لها النجاح، بل على العكس كان هناك إقصاء متعمّد وتهميش مبرمج للطاقات الشابة لدرجة التشكيك بمقدرتها على تحمّل المسؤولية، هذه “الجريمة” بحق الكوادر الشابة أوقعتنا بمشكلة بالغة الخطورة نلمسها كل يوم في تدني الإنتاجية في جميع القطاعات، والشيء الذي يقهر أننا فتحنا الباب على مصراعيه للاستعانة بالخبرات الأجنبية التي أخذت أكثر مما أعطت، والبعض يرى أنها خرّبت وأساءت في مكان ما، والمصيبة أن هناك من يعلم بذلك لكنه يغضّ النظر!!.
كل ما استطعنا فعله لشبابنا خلال المرحلة الماضية هو إعداد مشروع ورقي لإستراتيجية وطنية لتمكينهم، أهم ما يميّزها غلافها الأنيق ، لكن أين هي الآن؟!.
اسألوا من كان بها خبيرا!!..
لست هنا بغاية عرض كلام استهلاكي تنظيري أعرف أننا مللنا منه، وإنما لألفت إلى جانب مهمّ جداً ونحن على أبواب مرحلة إعادة إعمار البلد بعدما تنتهي الأزمة على خير، فإعادة الإعمار كلمة قد يستسهلها البعض ويرون فيها مجرد بناء الحجر وإعادة تأهيل البنى التحتية للمنشآت والمرافق التي دُمّرت، هذا جانب أساسي بالتأكيد، غير أن الشق الأهم الذي يتوقف عليه نجاح العملية وسرعة إنجازها هو تأهيل الكوادر البشرية ومحاولة استقطاب العقول والخبرات التي هاجرت أو تهمّشت قبل وأثناء الأزمة، فاليوم نحن بحاجة إلى جهد كل الخبرات المطعمة بهمة الشباب والاستفادة من حراكهم الحالي ضمن أطر عملية واجتماعية فاعلة، ولا يغيب هنا تحقيق المصالحة الوطنية لتهدئة النفوس وإزالة الشوائب التي علقت بها بفعل التحريض الإعلامي. بالمختصر.. هناك من يقترح لجسر الفجوة بين الشباب وأهل الخبرة العمل على تأسيس هيئة عليا للمتقاعدين تضمّ خيرة الخبرات في مختلف المجالات، لتكون كهيئة استشارية تقدّم العون والمشورة لجيل الشباب، وهو مقترح بدأنا نسمعه كثيراً في الآونة الأخيرة ويبدو صائباً خصوصاً إذا ما اعتمد قانون التقاعد المبكر الذي ربما يؤدي إلى تسرّب الكثير من الخبرات التي سئمت من الممارسات البيروقراطية والمحسوبيات لعلّها تجد من يقدّر كفاءتها في مكان آخر!.
وبكلمتين أقول “إعمار البشر قبل الحجر”.

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com