سورية.. بوصلة “الردة العربية” .. بقلم : أمامة عكوش

سورية.. بوصلة “الردة العربية” .. بقلم : أمامة عكوش
“الردة” في طريقها إلى العالم العربي، ومن ثم إلى بعض الدول الإقليمية وصولا إلى بعض الدول الغربية، ليست ردة كتلك التي ارتدتها الأعراب بعد وفاة النبي عليه السلام، ردة الباطل على الحق، لكنها ردة حق على ما “اعتقد أنه كذلك”.
 ستبدأ هذه الردة من البلد ذاته الذي أضرم فيه البوعزيزي النار في نفسه، وسيبدؤها الشعب ذاته الذي قام في سبيل ما قام لأجله آنذاك، سيقوم لأسباب مشابهة ولأخرى مختلفة مجددا، لا شعوب “تشرى” بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى في العصر الحديث أو بأقل تقدير هكذا يصور، ولكن هناك دول لا تحتمل ظروفها الصبر على جوع شديد .
 ومن المؤكد أن التونسيين ليسو من هؤلاء الشعوب “فلا المناخ السياسي، ولا الطبيعة العقلانية، ولا الحياة الاجتماعية، ولا العروبة المتحضرة، ناهيك عن أن أهل تونس ليسوا من “الأعراب” في شيء، كل هذا يؤكد أن التونسيين ليسوا من شعوب أتي على ذكرهم ويؤكد أن ردتهم باتت قاب قوسين أو أدنى من تجاوز بدايتها لأنها بدأت فعلا، الردة التونسية ستأتي على كل شيء كما فعلت سابقا مع ما كان، حتى الشعوب التي لم تعد تطيق فقرا أكثر مما هي عليه لن تطيق قهرا أكثر مما هي عليه “مصر”، مع أمنيات لا يعرفها عالم السياسة، ولا تؤمن بها لغة الواقع، بأن لا تتقسم مصر بفعل تدخلات خارجية في الكثير من الأحيان تكون هي نفسها من يدعم نقيضين بكل شيء من الأيديولوجية والمعتقدات إلى الانتماءات والاصطفافات، إضافة إلى أن المخافة المؤلمة للغاية من كل الذي يحدث في مصر حاليا، وما هو مقبل أن نغدو أمام حالة تقسيم جديد لبلد عربي كبير بحجم بلد الفراعنة، كما أن الخوف لا يقل عن سابقه إزاء ما ينتظر ليبيا من تشرذم أكثر مما هي عليه اليوم، حتى وصلت الحالة الليبية إلى نقطة لا يتمناها للعرب إلا عدو. أما اليمن “السعيد” فليته لا يعود إلى الحقبة التي سبقت صالح بتفككها وتقسيمها، والطامة الكبرى فيما إذا كان بانتظار اليمن أسوأ مما كان، فعوضا عن يمنين نكون أمام ثلاثة.
لن تكون المغرب وموريتانية و”السودانين” والصومال والجزائر (مع خصوصية وضعها بالنسبة للأخريات) في منأى عن “الردة”، ولا حتى الأردن ولبنان في منأى عن الردة أيضا وإن كانتا كذلك كما يقولان عن سورية، بينما فلسطين وحدها من ستعود ردتها إلى أسوأ مما يدعي العرب أنهم يتمنوه لها .
 ما لم يتوقع يوما قبل عامين وبات يتداول في آخر شهرين علانية مرات وسرا فترات، سيحصل أيضا بعرب حيث العربان وستقلب الطاولة لا محالة على أكبر داعمي “الربيع العربي” وربما لا يوجد اليوم عاقلان يختلفان على ذلك جوهريا، ولكن ربما يحصل الاختلاف بالطرق والآليات التي سترسم مشهد “الربيع” في تلك الدول، أي أن خلط الحابل بالنابل أمر لا مفر منه في دويلات ودول، ولا غرابة الآن أنها في طريقها إلى إمارات و “ممالك”، وهو الذي بدأ يحصل فعلا خلف الكواليس الإعلامية وعلى الطاولات والموائد السياسة الدولية، والذي من المفترض أن تتضح معالمه في قادم الأيام غير البعيدة على اعتبار أن “طباخ السم لا بد أن يتذوقه عاجلا أم آجلا”، إذا ما اعتبرنا أن ما نشاهده في دول يعتقد أنها انتهت من ربيعها، لتجد نفسها أمام فصل خامس لا أحد يستطيع تسميته لما يحمل من قتامة وسواد ودماء وتفكك وإفلاس بكل شيء دونما استثناء.
إذن، ممالك وإمارات في الخليج، دول في المغرب العربي، دولة الفراعنة ودولتي النيل، دولة المجاعات، مملكة “النأي” ودولة الـ”بالنفس”، حتى بعض الدول الإقليمية، وأخرى الشرق أوسطية، وأخريات أوربيات، كلهم في طريقهم إلى تذوق الردة التي في طريقها إلى العالم العربي .
لعل من أبرز الدول الإقليمية، دولة أشبه ما تكون بالبركان الخامد الذي لا يبعد عن روما كثيرا وهي “تركيا”، ولعل من أبرز الدول الغربية دولة طالما تغنت بالبطولات والأمجاد الوهمية التي لم ترق إلى أكثر من كونها احتلالات، ستشهد هذه الدولة ما يعجز عن وصفه وتوقعه معظم أبناء المعمورة في قادم الأيام، كما أن حليفتها وداعمتها الدولة التي كانت الأقوى عالميا حتى “أيام في ماضية قليلة في السياسة القريبة”، أمريكا، صاحبة “الفتوحات الديمقراطية” كما تدعي دائما، فهي غير مستبعدة نهائيا من أي مما ذكرت آنفا على اعتبار أن هناك من قرر منذ سنوات نقل مركز صنع القرار العالمي منها إلى دولتين مختلفتين تماما عن بعضهما البعض جغرافيا وديمغرافيا إحداهما في الشرق الأوسط، والأخرى في الأدنى، مع المحاولات الحثيثة على إبقاء توازن إقليمي وقاري ودولي، يشبه إلى حد ما ذلك الذي صنع في خفايا الاقتصاد العالمي عقب الأزمة الاقتصادية التي قبل أعوام قليلة، ولكنه هذه المرة واقع في خفايا الاقتصاد والسياسة، وإن كان في الأخيرة بشكل أكبر وأعمق . 
كل هذا يشير إلى أننا أمام لحظة فارقة ما قبلها مختلف تماما عما بعدها بالنسبة لكل الأطراف “الدول” ما عدا سورية مع التنبه إلى أنها البوصلة الأساسية لكل ذلك، إذ أن ما بُدأ به في كل البلدان التي حصل فيها ما حصل انتهت مرحلته الأولى، وبدأت الثانية واقتربت من الانتهاء، بانتظار أن تحط رحاها في الثالثة، ولكن سورية التي كان لا يزال رحى ما يدور فيها حتى أمد قريب مبهم الوضوح فيما يتعلق بمعالمه النهائية، فهي وحدها من حفر التاريخ وشاءت الأقدار أن تكون “الصاوية” التي يتوجه إليها الفعل السياسي الدولي وقد اصطف عالميا على طرفي نقيض إزاء ما يحصل فيها، إذ أن كل الدول الأخرى التي مرت في “قطار الربيع العربي” كانت تسعى إلى تجاوز نقطة التحول في هذا “الربيع”، – إلا سورية – التي كانت النقطة الحاسمة التي ينبغي على “الربيع العربي” أن يتجاوزها، أو ينتظر لسنوات أخرى قادمة، ليحدث التحول الحقيقي .
هذا لا يعني أيضا أنه على “الردة العربية” أن تتجاوز أيا من دول “الربيع” ومن الدول التي لا زالت تنتظر بحذر، والتجاوز هنا لا يصح وغير جائز نهائيا فيما إذا حصل في سورية واستثنت منها أيضا .
ففي سورية، وخلافا لبقية الدول لعربية لا شيء يسقط، وطائر الفينيق يعود بعد احتراقه لينبعث من قلب الرماد، وليس هذا شعار من الشعارات التي حفظناها على مقاعد الدراسة لما كنا صغارا، وعلينا جميعا أن ندرك أنه لن يسقط ما هو ثابت من النظام، ولن يسقط ما هو ثابت في المعارضة، لأن الشعب الذي حمل تحت جناحيه الفينيقيين بذور كليهما سيبقى محلقا يدور حول الشمس “الاسم الحقيقي لسورية”، وبكل تأكيد لا أقصد فيما هو ثابت من النظام شخوصا، ولم آتي فيما هو ثابت من المعارضة على شخوص، إنما قصدت في الاثنتين العريضة الشعبية التي تؤيد أيا من الطرفين، كما أن الإنصاف يحتم علينا ألا نتجاهل ذكر “الغالبية الصامتة”، التي يدعي أيا من متبنيي وجهتي النظر المتناقضتين أنها بجانبه، علما أن كلا الطرفين لا يعلم ما في قلوب هذه الأغلبية، الشعب وحده بمؤيديه ومعارضيه وغالبيته الصامتة، “الباقي”، فكلا الطرفين، النظام والمعارضة تقاسما “وبكل نزاع” شرف الهوية السورية، كما أن الغالبية الصامتة تملك “وبلا نزاع” شرعية الهوية السورية. 
وحدهم العقلانيون من يملكون زمام صناعة المستقبل، ولا شك أنه ليس للعاطفة أو الأمنيات مكان في صناعة الأمم، والأخلاق شيء جيد ومطلوب، ولكن المثالية غير قابلة للتحقق أبدا، وإلا فإنها ستكف عن أن تكون مثالية وسنرى مدينة أفلاطون الفاضلة. ولما كنا في هكذا تشرذم يطال كل مناحي الحياة دون استثناء وفي جل أصقاع المعمورة، فعلينا إذا أن ندرك تماما أن الواقع وحده من يحدد آلية ما سنكون عليه، على خلاف الأمنيات التي لا محل لها من الإعراب السياسي في العالم، بشكله الحالي كما بشكليه القديم والمستقبلي.

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com