“مورفين” بقلم: وسيم كسّاب

“مورفين”  بقلم: وسيم كسّاب
بَينَما كُنتُ نائِماً أحلُمُ “بِكوابيسِ النَّهار”…استيقَظتُ مَذعوراً على دويِّ “صافراتِ الانذار” في أرجاءِ “وجداني” مُعِلنةً فَرارَ (صَبري) و”عَشيقته” التي يسمُّونَها (أمل) مِن زِنزانةِ “إرادَتي” المُحْكَمة…
كالمجنونِ خرجتُ أبحثُ عنهُما في شوارعِ “المستقبل”…وأزِقّةِ “الرّجاء”…وبينَما كُنتُ أُفتِّشُ في حارةِ “التفاؤل”…أوقَفَني أحدُّ سكانِ الحي…
للحظةٍ حَسِبتُهُ مجنوناً…معتوهاً…سِكّيراً…حشّاشاً…
فَلأوّلِ مَرّةٍ مُنذُ زَمنٍ طويل أرى إنساناً مُبتسِماً في “مَدينةِ الدُّموع”…
خاطَبَني ورائِحةُ خَمرِ “التفاؤل” تَفوحُ مِن أسنانِه “السّوداء” قائلاً: هَوِّن عليك…حالَتُكَ ليسَت أسوء مِن حالَتي.. فقد فَقدتُ أولادي وزوجتي ومَنزلي في يومٍ واحِد…وتابَعَ مُقَهقِهاً: انظُرْ إلي الآن…وكأنّ شيئاً ما كان…
صَرختُ بِوجهِهِ: أعطِيني قليلاً مِن “حبوبِ الهلوسة” التي تأخذُ مِنها…لرُبّما تَتَحسّنُ حالتي…
قالَ: سأُعطيكَ “مُخدِّراً” و”مورفيناً” أقوى مِن كُلِّ “المخدِّراتِ الكيميائية”…
أخرََج مِن جَيبِ بِنطالِهِ المثقوب “كِتاباً” عُنوانهُ “مُورفين”….
خَطَفتُ الكِتابَ مِن يَدهِ مُسرِعاً إلى غُرفَتي الواقعة في حيِّ “الوحدة” المهجور كي أقرأ هذا “الكِتابَ السّحري”…
“البابُ الأول” مِن الكتاب كانَ بِعنوان “القضاء والقَدَر”…
كلُّ “مُصيبَةٍ” تَحدُثُ في هذا “الكون” يَضَعُها تحتَ بندِ “القضاءِ والقَدَر”…مُستَشهِداً بِبَعضِ الكلماتِ والآيات المأخوذة مِن (الكُتُبِ السّماوية) و(الأمثالِ الشعبية)…
ففي حالاتِ “الموتِ” يُعزّيكَ قائلاً:
“هيك الله بدو”…”الله بحبو مشان هيك أخدو”….”ارتاح”….”حكمتو”…”شهيد”…”راح علسما”…”الله بدو وردة يشمها مو وسخة يلمها”…
وفي المصائب يستشهد قائلاً:
“وشعرة مِن رؤوسِكُم لا تَسقُط إلّا بِأمري”
“قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا” (سورة التوبة٥١)…
“شعرُ رؤوسِكُم مَعدودٌ كله” (لوقا١٢: ٧) 
“إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” (سورة القمر٤٩)
“المكتوب ما منو مهروب”…
لكن معَ كُلّ أسف “كُرياتُ دَمي” الثّائِرة لَم تُخَدرها تِلكَ الكلمات…
فأيُّ “إلهٍ ساديٍّ” هذا ليَكتُبَ “القَدَر” بِحبرٍ مِن دِماءِ “البَشَر” …وأيُّ حِكمةٍ ومشيئةٍ في رؤية “أشلاءِ” الأطفال مُتناثرة في الشوارع…إلخ…
بَدأتُ بِقراءةِ “البابِ الثاني” مِن هذا الكتابِ العجيب…. وكانَ بِعنوان “حُريَّةُ الإنسان”…
في هذا البابِ المناقِضِ تماماً للبابِ السابِق….كان يَضَعُ كلَّ “المصائِب” على عاتِق ِ الإنسانِ المخلوقِ “حُرّاً” منذُ الأزل فيستَشهِدُ ويقول:
“دَعاكُمُ الله لِتكونوا أحراراً” (غلاطية٥ :١٣)
“فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ” (تكوين١ :٢٧)
“فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (سورة الكهف ٢٩)
“الحُريّة هي الشيئُ الوحيد الذي لا تستطيع أن تَتَحرّرَ منه” (جان بول سارتر)
وأحياناً يدمُج ما بينَ (إرادَة) الإنسان و(مَشيئةِ) الله فيقول:
“أبعِد عنّي هذهِ الكأس…لكن لا مَشيئَتي بل مَشيئَتُكَ”(متى ٢٦: ٣٩)
“لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ” (سورة التكوير ٢٨-٢٩)
وللمرّةِ الثانية لم يَتَقبَّلْ “وجداني” هذا النوع مِن “التخديرِ والتبرير”…
فَتَحْتَ “ذَريعةِ” حُريّة البَشَر هل أصبحَ اللهُ خارجَ “المعادلةِ الكونية” واستقالَ مِن مهامِه مُكتفياً بالنصيحةِ وكلامِ الكتب؟؟؟؟…وأينَ العناية الإلهية؟؟؟
“الأبُ البَشري” أحياناً يَضرُبُ ابنَه ويتدخلُ في أمورِهِ الشخصية رادِعاً إياه عن صُنعِ الخطأ وذلك كي لا يؤذي نفسَهُ ويؤذي الآخرين…
فكَم بالحريَ “بالآبِ السماوي” أن يفعلَ ذلكَ أيضاً …
أغلَقتُ الكتاب…مع كُلّ أسَفٍ كلماتُهُ -مع احترامي الشديد لها- لَم تُخدِّر وجداني المتألِّم ولم تُشفي جِراحَ “مدينتي الثكلى”…كما أنَّها لم تُعِد لي “صَبري وأملي” الهارِبان…
وضعتُ قَليلاً مِنَ “النّبيذِ” علّهُ يُخفِّفُ قليلاً مِن تَوتُّري … ومعَ ثالثِ رَشفَةٍ… رَفَعتُ رأسي للسماء صارِخاً معَ صاحِبِ المزمورِ قائِلاً :
“يَا رَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيدًا؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟” (مزمور ١٠: ١)
يارب…لِتكُنْ “مَشيئَتُكَ” في “حُريتِنا”…

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com