مصر وإيران وإفشال المخطط الأميركي بقم: سمير كرم

مصر وإيران وإفشال المخطط الأميركي بقم: سمير كرم
يبدو أن السعودية تأمل أن تجد فرصة مؤاتية للتقرب إلى روسيا الاتحادية خاصة إذ ما قدر للأزمة السورية أن تنقضي لمصلحة الموقف الروسي دون إلحاق ضرر بالموقف السعودي
كانت مؤامرة أميركية. ولكنها مع الوقت تحوّلت الى أزمة أميركية، ولم تستغرق زمنا طويلا لكي تحقق هذا التحول.
كل ما جرى في منطقة الشرق الاوسط منذ بداية العام 2011 يشهد أن الولايات المتحدة أرادت أن تحدث التحولات التي تلزمها لكي تبقى اسرائيل وحدها في المنطقة محتفظة بقوتها العسكرية وبقدرتها على تحدي دول المنطقة، بما فيها مصر وسوريا وايران. كان ذلك هو التمهيد الأميركي لانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط الى شرق آسيا.
غير أن تطورات المنطقة سارت في طريق مختلف عما أرادت أميركا، بما في ذلك المحاولة الأميركية التي تحمل أهم وأقوى سمات التحرك الاميركي من أجل سلام اسرائيلي – فلسطيني. ويبدو أن مشروع خروج أميركا من الشرق الاوسط وترك النفوذ الاساسي فيه لإسرائيل لم يعد يسير في الاتجاه الذي رسمته الولايات المتحدة، ولا في اتجاه هيمنة القوة الاسرائيلية على المنطقة. بدأ الاتجاه المعاكس للخطة والخريطة الجديدة الأميركية بفشل المخطط الاميركي في مصر. لقد اعتقدت الولايات المتحدة ان خطة إخضاع مصر لهيمنة أميركية – اسرائيلية ستأخذ طريقها الى التحقق، وبالتالي ستكون لها انعكاساتها القوية على دول المنطقة. ولكن الخطة وصلت الى مصر لتصطدم بإرادة شعبية جارفة ضد حكم «الإخوان» الذي افترض الأميركيون أنه سيتيح لأميركا ان تنسحب من المنطقة تاركة لإسرائيل دور المهيمن. لم يكن بتصور الولايات المتحدة أو اسرائيل أن تستعصي مصر على التقسيم ابتداء من الاستعصاء على حكم «الإخوان». ولكن هذا ما حدث، وأثبتت مصر أنها لا يمكن ان تستسلم لهذا المخطط، وانها لا يمكن ان تتحول الى دولة تابعة لإسرائيل التابعة لأميركا.
وعندما وقعت أزمة أوكرانيا، أظهرت الولايات المتحدة أنها استفادت من الدرس المصري لكي تخرج فائزة في أوكرانيا. والحقيقة ان أوكرانيا لم تكن في أي وقت «مصر أوروبا الشرقية»، ولكن الولايات المتحدة تصورت ذلك وقررت أن تواجه الازمة الاوكرانية بالطريقة التي يكفلها لها توحد أوروبا وراء الموقف الاميركي من أوكرانيا. اتضح لأميركا في التطورات المتسارعة في أوكرانيا أن العلاقة بين أوكرانيا وروسيا شبيهة للغاية بالعلاقة التي اتضحت في الأشهر الاخيرة بين مصر والسعودية على الرغم من الاختلافات البيّنة بين المثالين.
فلقد كان الجانب المهم في نظر أميركا هو الجانب المتثل في إقدام السعودية على دفع النصيب الأكبر من ثمن صفقة السلاح الروسي لمصر. لقد أقدمت السعودية على أداء هذا الدور بلا تردد على الرغم من أن السعودية لم تستطع أن تجبر روسيا على أن تتقاضى ثمن صفقة أسلحة روسية أرادت السعودية، وتمنت أميركا، أن تشتريها لتسليح القوات الاجنبية التي تحارب في سوريا ضد النظام السوري بتأييد اميركي وسعودي واوروبي هدفه إسقاط النظام السوري. مع ذلك فإن هذه الصفقة لم تؤد الى إذابة الجليد في العلاقات الروسية – السعودية. وان كانت السعودية قد ظنت أن نتيجة من هذا القبيل يمكن ان تحدث إثر شراء السعودية أسلحة روسية لمصر. لكن هذا التطور لم يكن ممكنا، لان روسيا تعاني من تنامي الإرهاب في الشيشان وفي أماكن اخرى قريبة من الاراضي الروسية بدعم صريح من السعودية. ولا يزال يبدو ان السعودية تأمل أن تجد فرصة مواتية للتقرب الى روسيا الاتحادية، خاصة اذا ما قدر للأزمة السورية ان تنقضي لمصلحة الموقف الروسي دون إلحاق ضرر بالموقف السعودي. وهذا يشكل تصورا غير واقعي في ضوء كل من الموقفين الروسي والسعودي، وان كان يبدو ان السعودية تعول كثيرا على دور يمكن أن تقوم به مصر لتسهيل مثل هذا التحول. ولا شك بأن هذه المعضلة الروسية – السعودية لا تبدو سهلة على أي من الأطراف، خاصة أن الولايات المتحدة تبدي استعدادا لتقديم كل ما يلزمها من تنازلات للسعودية لتبقى بعيدة عن هذا التطور. وتشهد الكتابات السياسية التي تصدر من روسيا وتلك التي تصدر من السعودية على صعوبة الوضع بين السعودية وروسيا. ومع ذلك فإن هذه الكتابات – بالاضافة الى ما يصدر عن السعودية – تحمل مؤشرات الى ان الجانب السعودي يأمل دورا مصريا يخفف من وطأة الخلافات الروسية – السعودية، ولا يختلف مثل هذا التصور في صعوبته عن تصور دور يغير السياسة الاميركية تجاه أوكرانيا في أزمتها الراهنة لتصبح أقرب الى الموقف الروسي من هذه الازمة.
ومما لا شك فيه أن مصر تدرك من علاقاتها مع روسيا في تطورها الأخير استحالة لعب دور للتقريب بين السعودية وروسيا، مهما كان تأثير صفقة الأسلحة الروسية لمصر بالمال السعودي. ومعنى هذا ان السعودية هي الطرف الذي يتعين عليه ان يغير مواقفه وسياساته تجاه روسيا والقضايا التي تعتبرها سلطة الحكم الروسية ذات أهمية حيوية لها. ومعناه ايضا ان السعودية التي غيّرت مواقفها من مصر قبل شهور قليلة على النحو الذي كلف السعودية مبالغ طائلة من المال هي التي يطلب منها أن تغير موقفها تجاه روسيا وقضاياها الرئيسية. وقد يبدو هذا التصور مستحيلا في الوقت الراهن في ضوء التطورات الجارية في الشرق الاوسط بصفة خاصة. وترى مصر ايضا أنها في موقف يتطلب منها ان تؤدي دورا إيجابيا تجاه السعودية التي أظهرت اهتماما فائقا بمساعدتها في أحلك الظروف، ومصر بحاجة الى روسيا الاتحادية لاستكمال حاجتها الراهنة الى الاسلحة بالقدر ذاته.
ان مصر وايران لا تستطيعان خوض المعضلات التي تواجه كلا منهما في المنطقة بينما تبدوان – حتى ولو على السطح فقط – في حالة اختلاف وخلاف إزاء أهم القضايا المثارة في المنطقة. والحقيقة هي ان الظروف الناشئة في المنطقة في الوقت الحاضر تدل على ان أصلح المواقف من الجانبين المصري والايراني يتطلب من كل منهما تقاربا حقيقيا أكثر مما يتطلب اختلافا وابتعادا عن التفاهم. ان مصر لا تستطيع ان تتصرف كأن ايران ترتبط بإسرائيل كما كانت ما قبل الثورة الايرانية. كما لا تستطيع مصر ان تتصور ان اقتراب ايران من الولايات المتحدة في الاشهر الاخيرة يجعلها تزداد اقترابا من اسرائيل. العكس هو الصحيح. فإن موقف ايران المبدئي من اسرائيل لا يزال وسيبقى كما هو نظرا لاستحالة تلبية اسرائيل مطالب ايران بشأن القضية الفلسطينية. وهذه مطالب تمت تلبيتها من جانب عدد من الدول العربية التي أقامت سلاما بينها وبين اسرائيل. واذا بدا ان مصر هي إحدى هذه الدول فإن الحقيقة الساطعة تؤكد ان مصر الثورة – مصر ما بعد 25 يناير/كانون الثاني 2011 – تراجع حساباتها القديمة مع اسرائيل. وتنظر بعين الشك الى السياسات الاسرائيلية. وستدرك مصر ضرورة إقامة علاقات قوية مع ايران.
ان التطورات الاخيرة تؤكد ان الوطن العربي يحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى الى تضافر ووئام بين مصر وايران كضرورة حتمية لإفشال المخطط الاميركي. يحتاج أكثر من أي وقت الى رؤية واضحة لأهداف المؤامرة الغربية. وتشمل هذه الرؤية بلا شك جوانب العداء الاسرائيلي تجاه ايران وما يعنيه هذا العداء.
السفير – الرادار

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com