احكام الاعدام هذه لا يمكن ان تصدر عن قضاء نزيه او غيره بقلم: عبد الباري عطوان

احكام الاعدام هذه لا يمكن ان تصدر عن قضاء نزيه او غيره بقلم: عبد الباري عطوان
تحتل تطورات الاوضاع في مصر العناوين الرئيسية هذه الايام في معظم العواصم العربية والاجنبية ولكن للاسباب الخطأ، وبصورة تشوه صورة مصر الثورة الناصعة، وتضعها في مصاف الدول القمعية الديكتاتورية، واي محاولة لانكار هذه الحقيقة، من قبل السلطات وانصارها ومؤسساتها السيادية، والاعلامية، يزيد من تفاقم الازمة وتضاعف من حجم الضرر.
اصدار احكام باعدام ما يقرب من الالف شخص ينتمي معظمهم الى حركة “الاخوان المسلمين” لانهم تظاهروا احتجاجا، بما في ذلك المرشد العام محمد بديع، يمثل “مجزرة” لحقوق الانسان، وانتهاك بشع لقيم القضاء في العدالة والنزاهة والاستقلال، فالبند الاول في موسوعة القضاء العادل هو محاكمة الشخص على اساس جريمته وليس انتمائه السياسي او الديني او هكذا تعلمنا في مصر نفسها.
هذه المحاكم التي اصدرت هذه الاحكام لا يمكن ان تنتمي الى المؤسسة القضائية المصرية العريقة التي ظلت متماسكة، وتتمتع بالحد الادنى من الاستقلالية، فهل يعقل ان تصدر احكام بالاعدام على هذا العدد من المتهمين، ودون النظر حتى في اوراق القضية وملفاتها من قبل محامي الدفاع وفي ايام معدودة لا تزيد عن يومين تحال بعدها الى المفتي للتصديق عليها تمهيدا لتنفيذها؟
***
السيد احمد الزند رئيس نادي القضاه والمتعطش للثأر قال بالامس “ان قضاة مصر ليسوا في مهمة انتقامية من حركة الاخوان المسلمين” في الاشارة الى الاحكام المذكورة، الامر الذي ينطبق عليه المثل الذي يقول “كاد المريب ان يقول خذوني”، فالقضاء المصري يقوم فعلا بمهمة انتقامية، ويضع العدالة في ذيل اهتماماته، واذا لم تكن هذه الاحكام بالطريقة التي تمت عليها انتقامية، فما هو الانتقام اذا؟
انتقدنا كثيرا محاكمة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ومجموعة من رفاقه، من قبل محكمة غير عادلة، وغير نزيهة، انبثقت من رحم الاحتلال الامريكي، ولكن هذه المحاكمات التي كنا نعرف احكامها مسبقا، لم تكن على هذه الدرجة من المهازل، وانعدام الحد الادنى من الاجراءات القانونية المتبعة، ناهيك عن العدالة والنزاهة، فقد تمكن المتهمون امامها من الاستعانة بفريق من المحامين العراقيين والعرب والدوليين واستجوبوا عشرات الشهود، ودافعوا عن انفسهم في مواجهة كل التهم الموجهة اليهم بكل حرية، واضطر عدة قضاة الى الانسحاب خجلا واحتجاجا، انحيازا  لضميرهم، وانتصارا للحق، ورفضا لهذا المسرحية.
المؤسف ان وزير “العدل” المصري السيد نير عثمان يتباهى باستقلالية هذه المحاكم، ويصر على نزاهتها، ويؤكد “ان القضاء المصري مشهود له بالنزاهة والكفاءة قبل ان تعرف العديد من الدول معنى القضاء” وهذه مغالطة كبيرة، فصحيح ان مصر الرائدة عرفت القضاء قبل الكثير من الدول، ولكن ليس مصر الحالية وليس القضاء الذي نراه واحكامه الجائرة التي تبدو اقرب الى الاحكام العسكرية وقوانين الطوارىء، والمحاكم العرفية.
لا نعرف اي عدل هذا الذي يتحدث عنه وزير العدل المصري، مثلما لا نعرف الارضية القانونية والاخلاقية التي يقف عليها عندما يقول “ان مصر لا يمكن ان تقبل من اي دولة من دول العالم ان تبدي رأيا، او تعترض على حكم قضائي مصري” فمنذ متى كانت مثل هذه الاحكام الظالمة، محصنة من النقد؟ فهل هي محاكم المدينة الفاضلة، وهل قضاتها منزهون؟
مصر تقف على ابواب انتخابات رئاسية ووفق “خريطة طريق” من المفترض ان تؤدي الى الديمقراطية والحريات واحترام حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والقضائية، ولكننا نعتقد ان خريطة الطريق هذه، وبالنظر الى احكام الاعدام الاخيرة التي صدرت عن محاكم السلطات التي وضعتها وسوقتها للشعب المصري، ستؤدي حتما الى قوانين الطوارىء والاحكام العرفية، وهي القوانين والاحكام التي ثار لاسقاطها الشعب المصري وقدم آلاف الشهداء من خبرة ابنائه لتحقيق هذه المهمة السامية النبيلة.
***
العالم كله يجب ان يقف ضد هذه الاحكام الجائرة والنظام القضائي الذي اصدرها، ويجب ان يفهم وزير العدل المصري وحكومته ان مصر ليست جزيرة منعزلة، وانما جزء من هذا العالم ولا تستطيع ان تنصب المشانق، وتثار من الخصوم، وتحول المحاكم المدنية الى محاكم عسكرية، ثم لا تتوقع ان ينتقدها احد، فنحن في القرن الواحد والعشرين وليس في العصر الحجري، وهذه المهزلة يجب ان تتوقف.
نتابع هذه المحاكمات واحكامها وفي الحلق غصة نحن الذين نحب مصر ونخشى على صورتها وتاريخها العريق، وما يزيد من مرارتها ان رئيس مصر المؤقت عدلي منصور كان رئيسا للمحكمة الدستورية المصرية العليا السلطة القضائية الاعلى في البلاد، فأي محكمة دستورية هذه التي يسكت رئيسها على هذه المأساة، ويقبل ان يراقبها من موقف المتفرج.. هذه ليست مصر التي نعرفها.. وهذه ليست مصر التي نتمناها ومعنا دون شك كل الاشقاء المصريين واصحاب الضمائر الحية في العالم باسره.
رأي اليوم ـ الرادار 

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com