الموت يوجع الموتى

الموت يوجع الموتى
 وسام كنعان
من الصعب أن يحزر المرء كيف كانت تعابير وجه الشاعر الراحل محمود درويش وهو يخط الجملة الآتية: «الموت لا يوجع الموتى الموت يوجع الأحياء» لاشك أن صاحب «الجدارية» الذي اختبر الموت قبل أن يموت فعلاً، لم يكن يتخيّل ما الذي سيحل بمدينة قال فيها ذات يوم: «في دِمَشْقَ ينام الغريب على ظله واقفاً مثل مئذنة في سرير الأبد، لا يحن إلى بلد أو أحد» لم يعرف درويش ولا غيره ممن تغنوا في بردى أن هذا الأخير سيؤول إلى مجرى تهدر فيه دماء السوريين الأبرياء.
لاشك أن هناك من يزور تراب درويش في فلسطين المحتلة، ويرتّل عند شاهدة قبره قصة أفعال الطغاة بأقدم عاصمة في التاريخ. ولابد أن زوّاره يقصوّن عليه حكايات مثيرة عن إشارات مرورها التي اعتصمت عند اللون الأحمر، لتشهد على شعب كامل من الأطفال المشرّدين المرميّن على قارعة الطريق، بعد أن تيتّموا أو هلك مستقبلهم بالبرميل ذاته الذي أحال بيوتهم وأهاليهم فتات. أما عن نموهم فلا بأس، لم ولن يكتمل بعد اليوم. لن ينسى مليون نازف على الأقل رحلة موتهم ، صدّقوني لن ينسوا…!! الموت صار يوجع الموتى تماماً مثلما يوجع الأحياء، وربما أكثر. رائحة الدم تمتد فوق السوريين الذين ينام جزءاً يسيراً منهم ويصحو على صوت التكبير، ليس ذاك الصوت الذي يحنّ على جدران المدينة، والذي سبق أن اعتادوه وطربوا له ولبّوا نداءه وجاوبوه.الكلمات هي ذاتها لكنها باتت تخترقهم بشكل جديد. يكبّر، يهلل، ثم يطلق رصاصة الرحمة على «الشهيد» أو يضرب عنقه على طريقة الجاهلية التي عادت من باب الثورة السورية ويموت «الشهيد» سريعاً. هو نصفنا الأول يعطب على أيدي دعاة المعارضة وقد أسس لظهورها عقلية مخابراتية بحتة، فَتحت لزعمائها أبواب السجون مع اندلاع الاحتجاجات وقالت لهم: اذهبوا مغفوراً لكم، اسعوا في مناكبها ولا تعودوا إلينا إلا على تلّة من جثث العباد ورماد البلاد. برمشة عين يسلّم النصف الأول حياته لهؤلاء التكفيريين والمرتزقة، ومن يواليهم من مجرمين على هيئة مؤمنين، بلحى طويلة وشوارب محفوفة ولغة متهالكة تخجل بها وحوش الغابات. والقائمة تطول، جنسيات من كل بقاع العالم المجرم الذي دفع هذه البلاد برجله، وها هي تهوي سبيعن خريفاً، بينما يتباكى الكون كذباً على ضفاف أشلاء شعب ممزق. لكن مهلاً. ماذا عن نصفنا الثاني ؟! ذاك الذي يفترض أن يبقى سليماً معافياً ليعيد بث الحياة في عروق المدن المحروقة ويبذل ما بوسعه، عندما تحط الحرب أوزارها ويرتوي المجرمون من دماء الأبرياء. النصف الثاني مسؤولية ما تبقى من هيبة لمباضع الجراحين ومهاراتهم في العلاج. الطبيب مازال هناك قائداً ورئيساً وزعيماً شعبياً ورفيقاً مناضلاً؟!! ربما لايصدق البعض أن البراءة اليوم أصبحت تهمة وحيدة لا حلّ لها في علاج النصف الثاني. هناك في بلاد الموت!! لن تنفعك تعاويذ جدتك القديمة، ولا حُجُب أمك وصلواتها المتلاحقة. ولن ينفع خلُقك الحسن، ولا صلابتك وثورتك الهادرة في وجه سرطانهم المستشري على ما يسيطرون من أرض. عند الحاجز لن يحتاجوا مبرراً كي يذلّوك، يكفي أن تكون هويّتك مكسورة من طرفها مثلاً، لتصبح عرعورياً قاتلاً ومأجوراً؟! طبعاً هناك في الأماكن ذاتها أبناء بلد حقيقيين يبذلون أرواحهم لحماية ما تبقى أو ما يمكن إنقاذه. لا يهم، مجرد أن تنزل يعني أن القتل صار أقرب إليك من حبل الوريد، وأنك على مرمى حجر من مكان ستتحول فيه إلى خبر عاجل على صفحات التنسيقيات التي يديرها أميون وجهلة حتى بألف باء اللغة العربية. ستعود لأهلك هوية وشهادة وفاة، إن كان هناك من يملك الجرأة للسؤال عنك. في الأقبية المعتمة ممرات بطول ما صنع الزمان من قهر وذل.
السجّانون هناك هُيّئوا سلفاً لاستقبالك استقبال القادة الواقعين في الأسر. أنت في ضيافتهم فأهلا بك؟! لن تزد عن الذيول التابعة لعملاء يطلقون عليهم الرصاص. الزنزانة الصغيرة تجمعك مع رفاق بينهم مجرمون يجبرونك على الصلاة!! يجثم على صدرك ثقل السجن، تتقاسم مع العشرات هواء فاسد وقصعة برغل عفن، وصيحات استغاثة من المعذّبين حتى آخر شهقة قبل أن يغمى عليك.. رشقة مياه تصلُح كي تعيدك، فتتولى صعقات الكهرباء المتتالية ما تبقى من رمق حياتك. هناك تحقيق حضاري ليس إلا..؟!!
 لا بريء منكم أو بين جلاديكم… كلهم متّهمون، إن لم يكن مجرمون وقتلة…. لا تحزن! لن يطول الأمر، ساعات أو أيام ستصعد روحك مستعجلة إلى سابع سماء وتهدأ. فإن لم تمت تحت سطوة الكرابيج، سينفجر قلبك أو دماغك من وطأة الضغط… عندها ستموت… لكن ماذا عن أمك؟ كيف كان قلبها وأنت تستغيث؟ هل تظن أنها لم تسمع؟ هل تعتقد أنها لم تتعذب؟ وماذا عن أم سجانك؟ كيف حالها؟ بماذا تفكر الآن؟. 
يروي معتقل سابق عن ذكريات البرد في أقبية التعذيب، عندما فتح السجّان الباب وبدأ برشّ المياه على جموع المعتقلين، فأشاح أحدهم بوجهه نحو طاقة التهوية، ليصرخ به السجّان سائلاً عن السبب الذي جعله يرفع رأسه، فأجاب المعتقَل بهدوء: «أحاول معرفة وقت غروب الشمس من أجل الصلاة!». فردّ السجّان باستغراب: «منذ 17 عاماً وأنا أداوم في هذا المكان، ولم أتمكّن لمرة واحد من رؤية الشروق أو الغروب». ثم دخل الجميع في صمت طويل وانسحب السجّان مقهوراً مع خرطوم مياهه. 
سجّانك يتنفس ذرّات هوائك ذاتها، يأكل من لحمك، ويأوي إلى فراشه فيصبح الموت رفيقه، تلاحقه آلامك في الكوابيس، تقبض آهاتك على جراح روحه، وقد حوّله الظلم مجرماً يستميت في الدفاع عن وهمه. لكن والدته تقبع في بيتها الريفي الحزين. كيف وماذا تدعو له؟؟!

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com