تمويل مشروعات النفط والغاز في البلدان النامية .. بقلم : ياسر شمس الدين

تعمل البلدان العربية التي تحقق عائدات ضخمة من مبيعات النفط إلى تطوير صادراتها من الغاز الطبيعي الذي يشكل مصدر ثروة في وقت بلغ فيه الإنتاج الذروة في بعض بلدان المنطقة وكما هو معروف فإن الدول العربية تلاحظ الطلب على الغاز يشتد وأسعاره لا تتوانى عن الارتفاع أيضاً , لذلك تبدي هذه الدول عزمها على استخدم الاحتياطي الضخم المتوافر لديها من أجل زيادة العائدات الناجمة عن مبيعات الغاز .

إلى ذلك تستحوذ الدول العربية على نسبة 30بالمائة من الاحتياط العالمي من الغاز أي ما يوازي احتياطي روسيا تقريباً , وكانت الدول العربية تعتبر الغاز أقل أهمية من النفط على الصعيد الاستراتيجي وما يزال استخدامه مقتصراً على الاستهلاك المنزلي وفي مشاريع الصناعة الوطنية البتروكيميائيات والألمنيوم في حين يبقى النفط مخصصاً بشكل شبه كلي للتصدير إلا أن المعطيات تغيرت ففي حين يبلغ الإنتاج العالمي للنفط الذروة عام 2020م فقد بلغت عدة دول عربية قمة الإنتاج وفقاً لمدير المركز العربي للدراسات النفطية وهذه الدول هي مصر وسورية وسلطنة عمان وتونس ويثير تقييم الاحتياطي النفطي جدلاً في بعض الدول ففي الكويت تشير التقديرات الرسمية إلى حجم الاحتياطي يبلغ 99مليار برميل أي حوالي 10بالمائة من احتياطي العالم , لكنه في الواقع أقل من ذلك وفي الوقت ذاته تستمر تبعية الولايات المتحدة وأوربا في مجال الغاز والنفط في الارتفاع .

وتعتمد أوربا حالياً على الخارج بنسبة 40بالمائة ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 60 بالمائة عام 2020م وتحولت مصر واليمن وسلطنة عمان وأبو ظبي إلى جهات مصدرة للغاز الطبيعي المسال الذي يتم شحنه بواسطة السفن وليس عبر أنابيب الغاز وقد تحذو السعودية حذو هذه الدول في تصدير الغاز إذا كانت الاكتشافات الجديدة التي تتولى الشركات العالمية تضم كمية كافة في حين تتردد الدول العربية في توقيع اتفاقيات حول مشاريع نفطية تتولاها شركات عالمية , إلا أنها ترحب بالاستثمارات الأجنبية في حقول الغاز وقد تكون قطر هي المستفيد الأول بحيث تحتل المرتبة الأولى عالمياً في تصدير الغاز الطبيعي المسال .

صادرات الدول العربية من الغاز تضاعف بحلول عام 2010م ليبلغ حجمها 220مليار متر مكعب سنوياً ومن المتوقع أن تتضاعف الصادرات العربية من النفط والغاز لتصل قيمتها إلى 635مليار دولار على أن ترتفع حصة الغاز ثلاثة أضعاف ورغم ذلك يؤكد الخبراء أن الطلب على الغاز يتراجع في حال ارتفعت أسعاره على غرار النفط مع وجود بدائل له لإنتاج الكهرباء مثل الطاقة النووية والفحم الحجري الذي يشهد عودة قوية إلى الأسواق .

تخطيط المشروعات :

إن أضخم تزايد في الطلب على النفط والغاز يحدث في البلدان النامية حيث يوجد أيضاً معظم احتياطات النفط والغاز المؤكدة في العالم لذلك فإن شركات الطاقة العالمية مستثمرين وموردي معدات ومقاولين ومكاتب استشارية تحول اهتمامها من أوربا وأميركا الشمالية إلى البلدان النامية التي من المرجح أن توفر فرصاً لإقامة مشروعات للأعمال في قطاع النفط والغاز في المستقبل .

وعلى الرغم من قيام كثير من المشروعات الجديدة , إلا أن معظمها يتعثر بسبب الصعوبات التي تواجهها في الحصول على تمويل كافٍ ويضطر أصحاب المشروعات للتخطيط لصفقات تمويل أكثر مرونة وابتكاراً تضم مجموعة شركاء من القطاعين العام والخاص ولكن كثيراً ما تثبط المخاطر التجارية والسياسية همة الشركاء المحتملين وقد قام البنك الدولي بمراجعة إستراتيجية في قطاع النفط

والغاز في محاولة لتسهيل تدفق الأموال , حيث ركز على مساعدة الحكومات , وشركات القطاع الخاص على التحكم في مخاطر المشروعات والحد منها .

وأعادت كثيراً من الحكومات تحديد دورها وتترك الحكومات العنان للقطاع الخاص للعمل بحرية أكثر, كما تترك لقوى السوق تحديد أكثر الطرق فاعلية لتوريد السلع , وتوفير الخدمات , ولقد كان لهذا الاتجاه على الرغم من انتشاره على النطاق العالمي أقوى النتائج في الاقتصاديات التي كانت مخططة مركزياً في السابق .

وساد القلق بشكل كبير حول تأمين إمدادات البترول وخطر ارتفاع الأسعار ولا يزال بعض هذه المخاطر موجوداً ولكن النفط الخام والمنتجات البترولية تعتبر سلعاً لا بد من توفيرها بأكثر الوسائل مردودية للتكلفة ويتجه التركيز نحو الحصول على منتجات البترول من السوق الدولية , أما تنمية المصادر المحلية فلا يكون له مبرر إلا عندما يمكن إنتاج النفط والغاز بأسعار تنافسية عالمية .

وأصبح تدهور البيئة أحد الاهتمامات الأساسية للمجتمع الدولي وللمسائل المتعلقة بالبيئة أهمية خاصة فيما يتعلق بقطاع إنتاج الهيدروكربون في البلدان النامية .

أولا – غالبا ما تنطوي مشروعات النفط والغاز على مخاطر محتملة على البيئة والسلامة وهذه لابد من بحثها والتحكم فيها ففي البلدان الصناعية يتم تخطيط وتنفيذ المشروعات طبقاً لمعايير واضحة وصريحة , ولكن في معظم البلدان النامية ليست هناك معايير لقطاع النفط والغاز تتعلق بالبيئة . وكانت شركات النفط الكبرى تطبق معايير تضعها داخلياً , وكانت أمينة على شؤون البيئة , ولكن الوضع يتغير ،حيث الشركات الخاصة الصغيرة بدأت تعمل في قطاع الهيدروكربون .

ثانيا ـ تدار منشآت النفط والغاز في كثير من البلدان النامية طبقاً لمعايير أقل من المستوى المرغوب , وتسبب بذلك ضرراً للبيئة على المستوى المحلي والعالمي ومن أهم هذه الأضرار انسكاب النفط وتسرب الغاز مما يستلزم التنظيف بأسرع ما يمكن .

وأصبح الغاز الطبيعي هو الوقود الرائج في البلدان النامية وذلك لأمور تتعلق بالبيئة من جهة ولاعتبارات تتعلق بالاقتصاد والكفاءة من جهة أخرى وحتى وقت قريب كان استعمال الغاز الطبيعي في البلدان النامية خارج نطاق الاتحاد السوفييتي السابق محدودا للغاية , ثم زاد استهلاك الغاز في السنوات الماضية ويستخدم جزء كبير من الغاز المستهلك في توليد القوى الكهربائية حيث زادت كفاءة المحطات ذات الدورة المركبة المؤتلفة التي تسند إلى الغاز زيادة كبيرة .

الاحتياطي العالمي :

وهنا يمكن مقارنة الاحتياطي النفطي 1200 مليار برميل نفط خام ومدى كفايته لغاية عام 2050م تقريباً وباختصار شديد من المرتقب استخدام النفط الخام لغاية أواسط القرن الحادي والعشرين , بينما الغاز الطبيعي يمتد استخدامه لغاية نهاية عام2100م وربما لأواسط القرن الثاني من الألفية الثالثة أيضاً تبعاً لمعطيات التقديرات والإنتاج والاستهلاك وتبعاً لمدى تداخلات أشكال النفط والغاز والنووي وخاصة بما يتعلق بالنفط العربي والغاز الروسي وانتشار الطاقة النووية الذرية .

وهناك فارق أساسي ما بين النفط والغاز كامن في طبيعتهما سائل غاز وكذلك في تركيز محتوى الطاقة وبالتالي اختلاف وسائل النقل والإمدادات , فالنفط الخام يتم نقله عبر الناقلات البحرية العملاقة وبشكل أقل عبر خطوط أنابيب برية بينما الغاز الطبيعي يتم نقله أساساُ عبر الأنابيب البرية العابرة للقارات وبشكل أقل عبر الناقلات البحرية فمثلاً يتم نقل الغاز الروسي إلى أوربا عبر أنابيب ضخ .

أسواق عالمية :

ويتوزع في العالم ثلاثة أسواق للغاز كل منها متميز عن الأخرى ولكن دون أن تكون معزولة . السوق الأولى هي سوق أميركا الشمالية , وهي الأقدم في العالم , إلا أنها ليست الأهم كون الولايات المتحدة لم تجدد احتياطها ومع ذلك يبلغ حجم الاستهلاك المنزلي الأميركي 75بالمائة لأنهم يعتمدون في التدفئة على الغاز , تتصف هذه السوق بعدم الانتظام لأن الأسعار تتقلب باستمرار . وقد تفاقمت منذ بضع

سنوات حدة التوترات على الغاز أكثر منها على النفط وتم عزل السوق بسبب عدم امتلاك الولايات المتحدة تجهيزات كافية لنقل الغاز وبالتالي التوريد إلى أسواق خاصة على الأقل لتجميد أسعاره الملتهبة إلى جانب النفط وبلغت نسبة ما دفعه المواطن الأميركي كحد وسطي لسعر الغاز عام 2005م 38بالمائة أكثر مما دفعه عام2004م وهذا ما أدى إلى إفلاس كبرى شركات الكهرباء .

ويتم استثمار الغاز منذ أعوام الخمسينيات في سهل ألبو في إيطاليا وفي منطقة لاك ولاسيما منطقة كرونينغ في هولندا منذ عام 1960م وآثار هذه الآبار على بلد صغير اقتصاده يعاني من عدم الاستقرار والتوازن حقق مقولة – لعنة المواد الأولية – وفيما بعد جاءت اكتشافات غاز بحر الشمال وغاز الجزائر وبات الغاز بكمياته عاجزاً عن تلبية الاحتياجات الأوربية التي اتجهت نحو الشرق .

معالجات حيوية :

وفي كثير من البلدان النامية هناك مخاطر يصعب معالجتها فعدم وجود أنظمة وسياسات قانونية ومؤسسية وتنظيمية راسخة يجعل من الممكن للحكومات اتخاذ إجراءات لا يمكن التنبؤ بها قد يكون لها أثر جوهري على اتجاهات التكاليف والإيرادات , خاصة إذا كانت الحكومات مثلا تتحكم في الأسعار المحلية للنفط والغاز , أو تعدل شروط الضرائب ومقابل الانتفاع بالنفط والغاز هذه المخاطرة تعتبر أكبر عائق أمام الاستثمار الخاص في قطاع النفط والغاز في البلدان النامية .

وحتى في البلدان التي اتخذت فيها الحكومات خطوات نحو وضع إطار مستقر وتوضيح للسياسات , قد لا يكون لدى أصحاب المشروعات والممولين الثقة الكاملة في استمرار هذه الأوضاع الجديدة في مجال الأعمال دون تغيير والحكومة تفي بالتزاماتها باستقامة واستمرار ويتم توزيع مخاطر المشروع على الأطراف المعنيين من خلال العديد من الاتفاقيات والعقود المضمونة في حزمة التأمين وتهدف هذه المستندات إلى حماية مصالح أصحاب المشروعات , وبالأكثر لطمأنة المقرضين إلى هذه المخاطر يتم التحكم فيها إلى حد معقول وهناك ثلاثة أسئلة تحتاج من وجهة نظر المقرض إلى إجابة وهي : أولا – هل يمكن إنشاء المشروع وتشغيله في نطاق المواعيد والميزانية المحددين ؟ ثانيا – هل يمكن أن يثمر المشروع العائد الصافي المتوقع ؟ ثالثا – هل يمكن توزيع العائد الصافي وسداده ثانية للمقرضين والمستثمرين طبقا للاتفاق الخاص بالمشروع ؟ وفيما يتعلق بهذه الأسئلة يود المقرضون معرفة من يكون المسؤول عن الأضرار في حالة فشل المشروعات في أي من هذه المجالات .

المساعدة التقنية :

لقد قام البنك الدولي في عام 1995م بإعادة دراسة إستراتيجية في مجال قروض النفط والغاز بالتشاور مع البلدان الأعضاء وممثلي صناعة البترول العالمية ومصادر التمويل الأخرى وتضمن جدول الأعمال للبنك الذي وضعه بالتعاون مع الأطراف الأخرى في مجموعة البنك المؤسسة المالية الدولية والوكالة المتعددة الأطراف لضمان الاستثمارات تقديم المساعدة التقنية والإقراض والضمانات كما يلي :

مساعدة البلدان على وضع هياكل تنظيمية وقانونية تسهل الاستثمار الخاص وتعزز الكفاءة والمساعدة على إعادة هيكلة المؤسسات العامة لإنتاج الهيدروكربون عن طريق إضفاء طابع الشركات عليها , والتحول إلى التشغيل التجاري والخصخصة .

وتحديد أنواع أخرى من الوقود أكثر فاعلية وفائدة والاستعاضة بالغاز عن الفحم والنفط متى كان ذلك أكثر فاعلية ونفعاً للبيئة وكما يظهر من دراسة حديثة أجريت في الهند , فإن تحرير استعمال الأنواع الحديثة من الوقود يمكن أن يؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى مساعدة الأسرة الفقيرة للارتقاء في استخدام الطاقة إلى أنواع من الوقود أكثر نظافة وكفاءة من استعمال الأخشاب ومخلفات الزراعة كوقود للطهي ومساعدة الحكومات على تنظيف البيئة من آثار منشآت النفط والغاز الموجودة وفي وضع المعايير والتنظيمات اللازمة لمراقبة تأثير مشروعات النفط والغاز على البيئة وتسهيل مشروعات التجارة الدولية – أساساً أنابيب الغاز بالإضافة إلى مشروعات الغاز الطبيعي السائل وأنابيب النفط – ويمكن أن تستفيد مشروعات أنابيب الغاز بشكل خاص من مساندة البنك حيث أن المستثمرين من القطاع الخاص يرون في هذه المشروعات مخاطرة نسبية لما فيها من استثمارات لا تدر عائداً إلا بعد مدد طويلة , ولعدم وجود استخدامات بديلة , ولتقلب الأسواق المحلية في الغالب ومشاركة البنك الدولي في

تقديم التسهيلات مضمونة في المشروعات الأكثر تعقيداً , والتي تتطلب مساهمة مباشرة من الدولة , أو من شركة حكومية وتمويل المشروعات الملحة والسليمة اقتصادياً في مجال تنمية وتجهيز ونقل وتوزيع النفط , على أن يكون هذا فقط في حالة عدم وجود موارد كافية من القطاع الخاص وتقديم الضمانات التي تغطي المخاطر بالنسبة للمشروعات المهمة والحيوية للبيئة .

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com