الثروات المعدنية والتطورات التكنولوجية .. بقلم : ياسر شمس الدين

يتفق الجيولوجيون على أن جميع الأدوات الحديدية التي استعملها القدماء كانت مصنوعة من المعادن التي تهبط من الشهب والنيازك وهي عبارة عن كتل من مواد نارية تتساقط على سطح الأرض أو تندفع خلال صخور القشرة الأرضية وهذا النوع من الحديد مختلف تماماً عن الحديد الخام الذي نحصل عليه من صخور القشرة الأرضية ويؤكد بعض الجيولوجيين أن اكتشاف طريقة استخلاص الفلزات من الخامات الموجودة في صخور القشرة الأرضية تم بطريقة الصدفة حينما وقعت قطعة من هذه الخامات في نار وتبين أنه عندما يكون المعدن ساخناً يمكن طرقه إلى أشكال مختلفة . وحتى منتصف القرن الثامن عشر كان معدل التقدم في عمليات استخراج الخامات المعدنية بطيئاً جداً، وفي القرن التاسع عشر بدأت المصانع المزودة بالآلات الحديثة تعمل لإنتاج المعدات اللازمة للصناعات المختلفة مثل بناء السفن من الألواح الحديدية وكذا مد قضبان السكك الحديدية لشحن البضائع لمسافات طويلة وازداد الطلب نتيجة لهذا التقدم الصناعي للحصول على مزيد من الحديد والنحاس والرصاص والقصدير وكثير من المعادن الأخرى والحصول أيضاً على أنواع معينة من السبائك المعدنية لاستعمالها في الأغراض المختلفة .

ولاستخراج المعادن تجري عمليات كثيرة معقدة منها ما يؤدي إلى استخراج المعدن من فلزاته أو من النواتج الثانوية في الصناعة ومنها ما يؤدي إلى تحويل المعدن الخام إلى معدن تجاري له درجة معينة من النقاوة حسب الغاية التي يراد استعمال المعدن فيها وهو ما يدعى بالتنقية تتم كافة العمليات بطرق مختلفة تدعى بالعمليات التعدينية ويجب ألا نتجاهل أن التقدم في صناعة المواد المعدنية في وقتنا الحاضر هو شرط أساسي لتقدم كافة فروع الصناعات المختلفة من ميكانيكية وبنائية ونقل وحرارية وصناعات كيميائية وكهربائية .

دعائم التنمية :

ويشكل استغلال الثروات المعدنية إحدى الدعائم الرئيسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن أكبر معوقات التنمية الذي يواجهها اقتصاد ما هو عدم توافر المواد المعدنية بالنوعية والجودة والكميات المطلوبة ، وكل دول العالم بغض النظر عن مستوى تصنيعها تسعى لاكتساب أكبر حجم وأوسع تشكيلة من هذه الموارد ، إما عن طريق إبراز ما تحتضن أراضيها منها و إما عن طريق الدخول في مشاريع تعدينية مشتركة بدول أخرى أو باقتناء الموارد عبر الأسواق الدولية.

إن لدى الدول العربية ثروات هائلة وهناك قصور في استغلال تلك الثروات على مستوى الوطن العربي ومن المفيد أن تتحرك الهيئات العلمية الجيولوجية ذات الخبرات الواسعة لتبادل المعلومات حول أفضل الوسائل لاستغلال الثروات المعدنية لاسيما في ظل التطور التقني والتكنولوجي والتقدم العلمي الذي يشهده هذا القطاع .

والوطن العربي يحتوي على العديد من الخامات والمعادن الصناعية مثل الحديد والمنغنيز لذلك يتطلب إقامة صناعات تعدينية تتناسق مع الكميات والنوعية الموجودة ، وكما يلاحظ الجميع فإن التعاون العربي في هذا المجال دون المستوى الذي يطمح إليه العرب بل هو ضعيف رغم ما هو متوفر لدى الدول العربية من ثروات معدنية متنوعة وعناصر أساسية وما ينشده الجميع والمسؤولون عن الثروات المعدنية هو تعميق التعاون بين الدول العربية في القطاع المعدني وتنسيق الجهود في مختلف مجالات البحث والتنقيب وذلك من خلال تشجيع وتكثيف الاستثمار العربي الصناعي .

وليس التعدين حرفة بشرية جديدة أو وافدة على الأمة العربية فالحضارة العربية أضافت إلى الثروات الإنسانية الكثير في مجال التعدين وعلى الأرض العربية منذ فجر التاريخ عثر على خامات النحاس واستغلت واستخلص منها الفلز النقي ، والشواهد على ذلك قائمة في الجبل الأخضر بعمان وفي مناجم فينان وتمناع بالأردن وفلسطين وفي أراضي الحجاز بالجزء الأوسط وفي شبه جزيرة سيناء والصحراء الشرقية المصرية وفي سلاسل جبال أطلس في المغرب وفي منطقة أكجوجت بموريتانيا معنى ذلك الأراضي العربية غنية بثرواتها المعدنية وبالباحثين عن تلك الثروات منذ القدم ، وتمتلك الدول العربية نصيباً لا بأس به من احتياطيات خام الحديد تبلغ حسب البيانات المتوافرة أكثر من عشرة آلاف من ملايين الأطنان وتشير الشواهد الجيولوجية والمعلومات إلى احتمالات مستقبلية في عدد من البلاد العربية وبوجود رصيد مؤمل وكبير جداً في السعودية منطقة الصواوين وفي جنوب السودان وفي موريتانيا منطقة الزويرات وبذلك فإن الدول العربية تمتلك أكثر من 6,56 بالمائة من جملة الاحتياطيات المحسوبة لدول العالم الثالث.

وتفيد الإحصائيات عن وجود ـ النيكل ـ في العالم العربي بشكل ضئيل وعرف في عمان ـ الجبل الأخضر ـ وفي اليمن والسودان قرب الحدود الأثيوبية ، وفي المغرب جنوب الأطلسي ، وفي مصر منطقة أبو سويل بالصحراء الشرقية وفي جزيرة الزبرجد بالبحر الأحمر وفي السعودية منطقة سوق الخميس الغربية ، وللدول العربية نصيب من احتياطيات خامات فلز الكروم ففي السودان يوجد الخام في منطقة قلع النحل ـ حوالي مليون طن ويستغل بمعدل 20 ألف طن سنوياً تصدر جميعها وفي سورية ـ رأس البسيط في الشمال من اللاذقية وفي العراق شمال وشرق السليمانية وفي اليمن والسعودية وفي مصر يبلغ الإنتاج السنوي بضعة مئات من الأطنان سنوياً وتستهلك للصناعات المحلية ويوجد فلز الكوبالت جنوب المغرب وتعتبر أهم منطقة له وعرف الكوبالت في السودان وعمان ومنطقة الأحجار بجنوب الجزائر .

هناك بعض الأقطار العربية لديها خطوات متقدمة حيث بدأت بتصنيع بعض الثروات لامتلاكها المواد والصخور الصناعية وفي مجالات أخرى يمكن الاستفادة منها لكن الأمر الرئيسي يفتقد للناحية التكاملية بمعنى هناك الوضع العربي الممزق سياسياً قد فرض واقعاً اقتصادياً ممزقاً وحتى لم نر نور السوق العربية المشتركة ولم نر التكامل العربي خاصة في المجالات الصناعية ولابد من إيجاد الصيغة التكاملية والهيئات العربية هي الأجدى بأن تقوم بهذا الدور الرئيسي والطبيعي بمساعدة الدول التي هي صاحبة المصلحة الحقيقية إلا أن الإستراتيجية التكاملية هي الأمر الآخر المطروح أمام المهتمين في الشؤون التعدينية وكيفية الوصول إلى هذا الشأن لابد من وضع أو رسم طريق جديد ينسجم مع المتغيرات والتكتلات الاقتصادية العالمية .

وموضوع الموارد المعدنية العربية ومتطلبات تنقيتها هو من المواضيع الهامة والحساسة التي يجب إعطاؤها كل اهتمام وجدية عند البحث عن السبل الكفيلة بتنمية مواردنا من الثروة المعدنية بكافة أبعادها وأشكالها ومن الإحصائيات الموجودة يمكن التعرف على الحجم الكبير المتوافر من الاحتياطيات المتنوعة للخامات المعدنية في وطننا العربي الكبير والمنشآت القائمة والموزعة في معظم الدول العربية خير شاهد على المرحلة التي وصلت إليها صناعة التعدين تلك الصناعة التي تكون من أهم البوابات التي يعبر من خلالها العرب نحو دروب اقتصاد متين والحصن التنموي الذي يحافظ على مسيرة تقدم وتطوير مجتمعاتنا العربية.

وقطاع الثروة المعدنية العربية وتجربة المشاريع المعدنية المشتركة غنية وأبرزها مصادر اليورانيوم في الوطن العربي وخامات البحر الميت وتصنيف المعادن الكبرتيدية الكتلية بالمغرب والإمكانيات المعدنية المرتبطة بالقبب الملحية ومكمن بوغيرين للرصاص والزنك بتونس والتحريات ودراسات التنقيب الحديثة حول الخامات الصناعية في سورية وكذلك ضرورة إيلاء أهمية استغلال منجم الرمال السيليسية بدار الشاوي في المغرب واستغلال منجم بيرليت جبل رتيد نيمت في المغرب والتحري عن رواسب النحاس والذهب في سلطنة عمان والمعادن الفلزية الواعدة في الجمهورية اليمنية ورواسب الذهب الرئيسية في السعودية وجدواها الاقتصادية والإمكانيات المحتملة لتعدين الذهب في السودان ورواسب الذهب في درع الهجار بالجزائر .

ويعد قطاع الحديد والصلب والأسمدة من أهم المدخرات العربية المعروفة على الصعيد العالمي ، ومناطقنا العربية تعتبر من أغنى مناطق العالم بثرواتها المعدنية التي تشكل أساسا للصناعات التنموية ومن المؤسف حقا أن عالمنا العربي تحول إلى مصدر للموارد الأولية ويصدرها إلى الدول الصناعية وبدورها هذه الدول تعيد تصديرها لنا بأسعار مكلفة وباهظة بينما لم نقم نحن بالتصنيع المباشر واستثمار هذه الثروات .

والقوانين والتشريعات العربية مهمة جداً في جذب رؤوس الأموال لخلق كيان اقتصادي صناعي دائم بحيث تكون العلاقات العربية مستمرة طالما هناك وفرة في دولة وحاجة في دولة أخرى وهنا يستلزم الأمر التنسيق وصولا إلى صناعات مشتركة في ميدان استخراج وتصنيع المواد المعدنية ، فالعالم العربي من حيث إمكانياته بهذا المجال ومن حيث الموقع الجغرافي الذي يعتبر موقعاً محورياً بالنسبة

للأسواق العالمية المستهلكة ، أن يقوم بدور فعال في إمداد الصناعة العالمية بشكل واسع وثمة إشكاليات في مجال تصنيع الخامات وطنياً والثروات المعدنية من قبل الدولة نفسها وتصنيعها هو بالطبع لصالحها وتصدير هذه الخامات كمواد مصنعة ، ولو أعطي التشجيع بتصنيع محلي يكون أفضل كثيراً وذلك لوجود ميزة رخص اليد العاملة وتوفر الإمكانيات وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتكامل وتعاون عربي .

لقد نجحت الدول العربية بإنشاء بعض المشاريع المشتركة منها الشركة العربية للخدمات البترولية وشركة الحفر العربية وصيانة الآبار وشركة المسح الجيوفيزيائي العربية ومعهد النفط العربي للتدريب والحوض الجاف في البحرين وشركة الاستثمارات البترولية العربية ، لكن تظل الظروف الطارئة هي مؤثرة جداً في استمرارية المشاريع المشتركة والإمكانيات المحتملة لتعدين الذهب في السودان هامة جداً ومجالات هذا المعدن واعدة وغنية ومن الواضح الحكومة السودانية لا تستطيع الدخول بمفردها في هذا المجال المغلف والدول العربية مجتمعة تملك من الطاقات البشرية والخامات ما يشجع على الاستثمار الذي صدر قانون جديد في السودان لتشجيعه ، ومعادن الذهب موجودة في أماكن عدة ويمكن للمستثمر أن يستثمر حسب قدرته وهنالك تجارب مع مستثمرين أجانب من شركة الإرياب وهي شركة سودانية فرنسية تنتج من 2 ـ 3 طن ذهب سنوياً ويتوقع أن تصل إلى أكثر من أربعة أطنان والاحتياطي في المنطقة التي يتم التنقيب فيها عن الذهب في جبال البحر الأحمر هو أربعون طناً من الذهب مازالت في الأرض وهي مدروسة .

خطوات تعاونية :

يوفر العمل الجماعي في إطار تكتل لمجموعة من الأقطار أو الشركات لتحقيق النمو أو التنمية في المجالات الاقتصادية المختلفة شروطاً أنسب لتحقيق الأهداف المرجوة وفي مقدمتها تضخيم الموارد المادية المملوكة وتنويعها بما يتيح فرصاً أفضل لإقامة مشروعات الإنتاج الكبير وتوفير قدرة كبيرة من المهارات البشرية الفنية والإدارية اللازمة لتنفيذ المشروعات المستهدفة وإتاحة فرص أوسع لتجميع مقادير كبيرة من رأس المال والاستثمارات المالية المطلوبة للمشروعات المشتركة الضخمة والتي صارت بسبب ثورة العلوم والتكنولوجيا طابعاً مميزاً للأعمال والأنشطة الاقتصادية المعاصرة والدول العربية تنبهت إلى ضرورة التعاون فيما بينها سواء أكان ذلك في إطار الجامعة العربية أو على نطاق إقليمي حيث أصدر مجلس الوحدة الاقتصادية العربي منذ خروجه إلى حيز الممارسة العملية في أواسط الستينيات العديد من القرارات والاتفاقيات الهامة التي تنظم العلاقات الاقتصادية العربية وفي هذا الإطار اتجهت الدول العربية نحو إقامة المشروعات المشتركة ورغم البطء الذي يتميز به إيقاع العمل العربي ورغم عدم تفعيل الالتزام الحكومي بالاتفاقيات العربية من قبل بلدان عربية متعددة إلا أن إنجازات لا بأس بها تحققت ومشروعات هي موضع أمل عربي كبير قد أنجزت أو هي قيد الإنجاز .

وفي مجال الاهتمام بالموارد المعدنية العربية صلبة كانت أو سائلة أو غازية قطع التعاون العربي خطوات طيبة وتحققت إنجازات لا بأس بها رغم إنها دون الطموحات العربية في هذا المجال بمقدار كبير بل يمكن الزعم أن قطاع الموارد المعدنية العربي كان الأسعد حظاً بين قطاعات الاقتصاد العربي عموماً من حيث التبكير في الاهتمام به والعمل في إطاره انطلاقاً من مدركات التعاون العربي وتجسدت التوجهات الجماعية في قيام عدة تنظيمات قومية تهتم بالتعدين وشؤونه مثل منظمة الدول العربية المصدرة للنفط والمنظمة العربية للثروة المعدنية مثلما تجسدت في إنشاء عدة شركات عربية للعمل من أجل تنمية الثروات المعدنية العربية الصلبة وغير الصلبة .

التي يتم اكتشافها في البلدان التي يمتد إليها نشاط الشركة وذلك بغرض تحديد إمكانيات استغلالها اقتصادياً واختيار أنسب الوسائل التكنولوجية لتحقيق ذلك .

ما يمكن الإشارة إليه كيف يمكن اقتسام الساحة العربية خاصة وهنالك مناحٍ متعددة سياسية كانت خلف الواقع الاقتصادي سواء كان على المستوى الأوربي أو الأميركي أو المجموعات العالمية بصورة أساسية والمطلوب على الأقل أن نضع الخطوط العريضة ولم يفت الوقت لبناء سياسة تكاملية وضمن المتغيرات العالمية لابد من القول إنه لسنا قادرين أن ننافس اليابان أو أميركا أو المجموعات الأوربية ولكن يجب علينا أن نعمل للحضور لنشكل أساساً للانطلاق في تصنيع المواد الخام وإقامة المشروعات الصناعية العربية المشتركة .

ولابد من العمل على أن تولي الجامعة العربية اهتماماً أكبر لتجسيد حرص المجتمع العربي على دعم العمل المشترك وتوطيد أسسه وأركانه مما يساهم في زيادة الترابط بين جهات البحث العلمي والجهات الصناعية العربية وتكوين مجالس جيولوجية عربية تابعة للجامعة العربية بحيث يتم التخطيط لاستراتيجيات قومية على مستوى التعدين وترشيد الاستغلال الأمثل للتعدين في المنطقة العربية.

دبي \ ياسر شمس الدين

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com