ارتفاع أسعار النفط بين العوامل والنتائج .. بقلم : ياسر شمس الدين

الارتفاع الكبير والملحوظ الذي طرأ على سوق الذهب الأسود يزيد حتماً من أعباء تكاليف المدخرات والمواد الخام في العديد من القطاعات وهذه الأعباء سوف تشكل ضريبة إضافية على الاقتصاد العالمي فالنفط كما يعرفه الجميع يشكل الجزء البالغ الأهمية في حياة الأفراد والمجتمعات وهذا بالتالي يشكل انخفاضاً في مستوى الإنفاق العام ويشكك المحللون الاقتصاديون أن تستمر أسعار النفط في ارتفاعها.

عوامل الأزمة :

والتوترات الجيوسياسية والمضاربات تزيد في حركة الارتفاع التي تمتد في جذورها على تطور العرض والطلب وفي هذا السياق هناك ثلاثة عوامل رئيسية تثير الاهتمام :

الأول ـ تأثير النزاعات الإثنية والإضرابات في نيجيريا على إنتاجها النفطي كذلك فقد أدى الإضراب إلى إصابة الشركات النفطية الفنزويلية بالشلل عام 2003م وقاد أيضاً إلى انخفاض كبير في إنتاج هذا البلد من النفط .

الثاني ـ يمكن بالاختناق الذي تعانيه أعمال التكرير في البلدان المستهلكة الكبرى فعلى الصعيد الدولي وفي أعقاب تراجع معدل الاستثمار في السنوات الأخيرة إذ لا تتجاوز القدرات العالمية 83,6 مليون برميل يومياً أي أكثر بقليل من الرقم القياسي المسجل في شباط 2004م والبالغ 82,5 مليون برميل ، إضافة إلى بنية هذه القدرات لم تعد تنسجم مع تطور الحاجة إلى المواد المكررة وهو ما يحدث على وجه الخصوص في الولايات المتحدة التي لا تستهلك أقل من 9,6 ملايين برميل يومياً .

الثالث ـ يعود إلى القرار الذي أعلنته منظمة الدول المصدرة للنفط والقاضي بخفض سقف إنتاجها إلى 23,5 مليون برميل يومياً وما لقي هذا القرار من اعتراضات من قبل الدول الصناعية أدى ذلك إلى تزايد الضغوط وارتفاع الأسعار ودول أوبك لم تخفض إنتاجها فعلياً وبقي إجمالي العرض كافياً لتغطية الطلب وهذا ما يبرهن على ضبابية الإحصائيات المنتشرة حول معطيات السوق النفطية .

ومهما ظهر الأمر مفاجئاً فإن الدول الأعضاء في منظمة أوبك لا تنشر الأرقام حول إنتاجها الفعلي إلا بتأخير أشهر عدة مثل هذا التعتيم يؤدي إلى الارتباك في آلية احتساب الفارق بين حصص هذه البلدان النظرية وإنتاجها الفعلي في مواجهة طلب عالمي قد يتجاوز 80,3 مليون برميل يومياً عام 2004م إلى ما يقارب 120 مليون برميل يومياً في العام 2025 فهل يمكن للعرض أن يلبي الطلب ؟ رغم أن القسم الأكبر من هذا العرض يضمنه الشرق الأوسط الذي ينبغي عليه مضاعفة إنتاجه لتفادي التقصير وهنا لابد من إيجاد مناخ ملائم للاستثمارات الضخمة المقدرة 27 مليار دولار في هذه المنطقة والنقاشات التي شهدها المؤتمر الدولي في برلين خلال شهر أيار 2004م الذي نظمته جمعية الدراسات النفطية لا تبعث على الاطمئنان كثيراً فمهما تكن آراء المتفائلين أو المتشائمين فاكتشافات النفط تتضاءل ولم يتم اكتشافات سوى حقل وحيد ضخم في كازاخستان والاكتشافات الجديدة لا تعوض ما يصرف والشيء الآخر الذي تجدر الإشارة إليه بين عام2001م -2005م يؤدي ارتفاع الحاجات العالمية وانخفاض احتياطات وإنتاج الدول الصناعية إلى زيادة ارتهان الولايات المتحدة حيال الذهب الأسود المستورد من 55,7 إلى 71 بالمائة وأوربا الغربية من 50,1 إلى 68,6 بالمائة والصين من 31,5إلى 37,2 دون أن ننسى سائر البلدان المستهلكة وهذه التبعية المتزايدة في مجال الطاقة الحيوية تفسر حرب النفط .

الأزمة الجديدة :

وانقسم المحللون الاقتصاديون إلى آراء فمنهم من يعتقد أن هذا الارتفاع لن يؤثر سلباً بحد ذاته على معدلات نمو الاقتصاد العالمي بل إن له نتائج إيجابية عديدة منها .

1 ـ عدد الدول المنتجة للنفط لم يعد عدداً قليلا وليس محصورا في دول الشرق الأوسط فغالبية الدول العربية منتجة للنفط باستثناء تونس والمغرب والصومال وموريتانيا فإن جميع الدول العربية منتجة للنفط بكميات متفاوتة وهناك عدد كبير من دول أفريقيا وخصوصاً في غربها تنتج النفط وكذلك الأمر في أميركا الجنوبية ومناطق مختلفة في أسيا مثل الصين وماليزيا والدول المطلة على بحر قزوين والارتفاع في الأسعار يعود إيجاباً على مجمل الاقتصاد في هذه البلدان ويعزز معدلات النمو.

2 ـ تقوية الطلب الداخلي والخارجي عبر زيادة أسعار النفط وانعكاسه الإيجابي على موجودات الدول المنتجة حيث تستفيد من تقوية هذا الطلب إلى غير الدول المنتجة حتى وإن أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار بعض السلع التي تشكل الطاقة أحد مدخراتها الأساسية .

3 ـ الدول المتقدمة التي لا تدخل في عداد الدول المنتجة للنفط تخسر من جانب عبر ارتفاع أسعار النفط ولكنها تعوض هذه الخسارة من خلال ارتفاع أرباح شركاتها النفطية والولايات المتحدة والصين وغالبية الدول الأوربية تمتلك شركات نفطية تنشط في أنحاء مختلفة من العالم ، وكلما ارتفعت أسعار النفط زادت أرباح هذه الشركات وانعكس ذلك إيجاباً على اقتصاد الدول التي تنتمي إليها هذه الشركات .

4 ـ إن ارتفاع أسعار النفط يفسح المجال أمام عودة الاستثمار إلى قطاع التنقيب والتكرير بعد أن أدى تراجع أسعار النفط في عقدي الثمانينيات والتسعينيات إلى تراجع في هذين القطاعين بفعل تدني الأرباح والقيمة المضافة التي يمكن الحصول عليها ، كما أن ارتفاع الأسعار يفسح المجال أيضاً أمام توسع مناطق التنقيب حيث ترتفع الكلفة إلى ما فوق الأربعة عشر دولاراً ما يفتح آفاقاً واسعة أمام إمكانية حقول جديدة وانضمام دول أخرى إلى نادي الدول المنتجة للنفط .

5 ـ هناك تغييرات بنيوية في الاقتصاد العالمي تجعل احتمال حدوث انكماش أمراً ضعيفاً في هذا السياق يقول ” هوامين ” رئيس معهد اقتصاد العالم التابع لجامعة فودان في شنغهاي بشرق الصين : ” مع التنظيم المتواصل للهيكل الاقتصادي والصناعي للدول المتقدمة الرئيسية في العالم يشهد مستوى الاعتماد المباشر للنمو الاقتصادي والصناعي للدول المتقدمة الرئيسية على النفط انخفاضاً يوماً بعد يوم ” ..

مع كل هذه المعطيات رأى أصحاب الطرف المدافع عن ارتفاع الأسعار أن ذلك لا يمثل كارثة ولا يحمل انعكاسات سلبية ولا تستفيد منه الدول المنتجة وحدها بل أنه يعمل في مصلحة تقدم الاقتصاد العالمي وفي مصلحة تعزيز فرص إيجاد مصادر إضافية للطاقة عبر توسيع مناطق استخراج الوقود . أما الرأي الذي يعتقد أن ارتفاع أسعار النفط يترك آثاراً سلبية على مجمل الاقتصاد العالمي لأنه يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع وتراجع الطلب وبالتالي تباطؤ أداء الاقتصاد سواء في الولايات المتحدة أو في دول أخرى .

بين الانخفاض والصعود :

وبالرغم من هذا التزايد لأسعار النفط والذي وصل ذروته في بورصة نايمكس بنيويورك في التسعينيات من القرن العشرين فإن الاستمرار بالطلب الحاد لهذه المادة لا يترك ثغرة في نظام الإمداد العالمي للتكيف مع الاضطرابات المحتملة في إمدادات منتجين كبار في دول الخليج العربي وروسيا وفنزويلا حتى أن بعض المحللين يرون مثلما أحدث النمو المفاجئ في الطلب على النفط في الصين ثورة في سوق النفط العالمية فإن الأمر يحتاج إلى تغير اقتصادي كبير لخفض الأسعار .

وأغلب الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول- أوبك – تنتج النفط بكامل طاقتها والتي تقدر بحوالي ثلث إنتاج النفط الخام العالمي حوالي 28,6مليون برميل يومياً لذلك ليس هناك فرصة لظهور زيادة مفاجئة في الإمدادات تحد من الأسعار في السوق ومشروعات التنقيب المؤهلة بأسعار جديدة .

ويبدو الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة لم يؤثر بدرجة تذكر على نمو الاقتصاد العالمي مع تباطؤ محدود في النمو الصيني وتحقيق الاقتصاد الأميركي لنمو قوي ويقول لدرولاس في مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن : يكون هناك أثر لاحق لأسعار النفط على الطلب ، إنه أمر يحتاج لوقت لكنه يحدث والناس ينسون ذلك مما يعرضهم للخطر. وقال بنك باركليز كابيتال في تقرير : في حين تجاهل الاقتصاد العالمي ارتفاع سعر برميل النفط إلى 40 دولاراً إلا أن الارتفاع المطرد على مستوى 50 دولاراً يكون له الأثر الملحوظ على مجمل النشاطات الاقتصادية والسياسية ، وكذلك الانتخابات الأميركية قد تكون من العوامل المهمة التي قد تساهم في تهدئة الأسعار فمنذ عام 1986م قلما تعدى سعر برميل النفط الخام 30 دولاراً وفي معظم الأحيان ، كان السعر يحوم حول العشرين فقط ومنذ سنوات دأبت منظمة الدول المصدرة للبترول – أوبك – على السعي مع أعضائها لكي يلتزموا بالحصص التي اتفقوا عليها ، ولكن بعضاً من الأعضاء استمروا في البيع بمقادير تفوق حصصهم مما أدى باستمرار إلى انخفاض السعر دون الحد الأدنى المقدر له وفشلت محاولات كثيرة خلال تلك السنوات للتنسيق من قبل منظمة – أوبك – مع المنتجين الكبار ودأبت هذه الدول المصدرة غير الأعضاء في أوبك على زيادة إنتاجها لجني أرباح أكبر وفي كل مرة نجح أعضاء الأوبك في ضبط إنتاجهم ضمن السقف المتفق عليه ، لكن هذا الارتفاع العنيد أدى إلى قلق الدول والتي رأت فيه ضرراً بالطلب على هذه المادة في المدى المتوسط والطويل وقررت الإدارة العليا في السعودية رفع إنتاجها إلى الحد الأقصى الممكن مما ساوى بين إنتاجها وإنتاج روسيا بمعدل عشرة ملايين برميل يومياً وتقوم دول الأوبك برفع إنتاجها إلى أعلى مستوى ممكن .

الاقتصاد الآسيوي :

وحققت معظم الاقتصاديات الآسيوية ناتجاً قومياً فاق ما كان متوقعاً لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط ، قد تجعل اقتصاديات المنطقة عرضة لضغوط التضخيم المالي ومحاولة تجنب هزة في أسعار النفط ولا تزال القارة الآسيوية غير محصنة تجاه أي هزة تسببها أسعار النفط نظراً لاعتمادها بشكل أساسي على النفط المستورد ونظراً لانفتاح اقتصادها وقال بين رود : إن الأسعار المرتفعة للنفط من دون شك صفعة كبيرة بالنسبة لآسيا فالنمو الداخلي في المنطقة غير محصن ضد أسعار النفط المرتفعة ، وفي هذا الإطار تقف في الواجهة تايوان وكوريا وتايلاند نظراً لكثافة استهلاكها للنفط وإمكانية تسجيلها تباطؤ في النمو الاقتصادي .

الارتفاع والشركات :

ووسط الارتفاع المتزايد لأسعار النفط بدأت الشركات في مختلف أنحاء العالم تشعر بالقلق وهي تخشى من تبعات هذا الارتفاع وانعكاساته على مستوى الربحية وعلى الاقتصاد ككل وأكدت صحيفة ” فاينانشيال تايمز ” أن مشاعر القلق تزيد بشكل خاص بالنسبة لبعض القطاعات مثل خطوط الطيران وشركات الصناعات الكيماوية وقطاعات النقل والمواصلات التي تواجه تحديات متنامية .

وهكذا فقد راحت بعض شركات الطيران في حينه ومن ضمنها الخطوط الجوية البريطانية في رفع رسوم غلاء الوقود للتعويض عن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود ومن جهة أخرى فإن شركات الصناعات الكيماوية التي تشتري المواد الخام بشكل مباشر من شركات النفط لم تعان بعد من ارتفاع أسعار النفط حيث يمكنها أن تحمل عملاءها التكلفة بسهولة لكن كامبل جيلز المحلل لدى بنك ” دويتشه ” قال عن شركات الكيماويات التي تقوم بتحويل المواد الكيماوية إلى مركبات كيماوية متخصصة ، بدأت تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار النفط إذ إنه من الصعب بالنسبة لها تمرير الزيادة في التكلفة إلى عملائها في بعض الأسواق مثل أسواق السيارات والعقارات والمنتجات الاستهلاكية .

الأزمات النفطية الثلاث الأخيرة التي شهدها العالم في غضون ثلاثة عقود تبعها على الدوام فترة انكماش وكل هذه الأزمات كانت ناجمة عن اضطرابات في الشرق الأوسط إذ كان الخبراء منقسمين حول قراءة نتائج ارتفاع أسعار النفط وآثارها على الاقتصاد العالمي والحقيقة الواضحة تؤكد وجود رابحين وخاسرين ، فالرابحون في هذا المجال هي الدول المنتجة والشركات العاملة في هذا القطاع , أما الخاسرون هي الدول غير المنتجة والمستهلكون الذين لا يجدون فرص الدعم من قبل حكومات بلادهم .

دبي- ياسر شمس الدين

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com