معنى كلمة حلب الشهباء بقلم: المؤرخ عامر رشيد مبيض

معنى كلمة حلب الشهباء بقلم: المؤرخ عامر رشيد مبيض
أسماء القرى والمدن في سورية ذات ثلاثة مداليل : دينية طبيعية عسكرية ، ما عدا حلب . وفي القرن الأول قبل الميلاد أضيفت الأسماء الشخصية ، ملوك وملكات . 
حلب كلمة عربية وردت في نصوص ماري بحروفها الثلاثة ابن شداد وصف حلب بـ « الشهباء » وابن بطلان بـ « البيضاء » لقد مضت إيبلا وماري وبابل وأوغاريت ورأس شمرا والأقصر ومأرب وبقيت حلب تزداد شموخاً كلما حاقت بها الأيام وكأن شهبة حجارتها تزداد تألقاً كلما مستها يد الزمان ، وكأن العَقَبةَ التي شهدت سكن الإنسان الأول قرب المغاور هي العقبةُ حقاً أمام الفَناء . لهذا فإنَّ المعلومات عن تاريخ حلب ومعتقداتها القديمة مصدرها خارج حلب ، لأنَّ حلب مدينة أبدية ما زالت الحياة تزخر فيها منذ فجر التاريخ . فتاريخ حلب القديم نعرفه من نصوص ماري ، و« آلالاخ 3000 ق.م » وعاصمتها حلب التي عرفت أول أبجدية في التاريخ ، ومن نصوص « إيبلا وأوغاريت وبابل » التي وصفت حلب بأنها المركز الرئيسي لعبادة « الإله حَدَد » . وهناك نقش يشهد بأنَّ « أرمان » هو الاسم الأقدم لحلب وقد غزاها « نارام سين » حفيد سرجون الأكادي . يقول عالم الآثار الإيطالي « باولو ماتييه » مكتشف إيبلا : « لقد استولى سرجون على « ماري » الواقعة على طريق نهر الفرات وعلى إيبلا في سهل حلب الكبير ، وتوجّه إلى البلاد في الشمال إلى « أرمان » التي ليست سوى حلب . وفي متحف اللوفر بباريس نجد ملفاً خاصاً ومسلة « نارام سين » تخلدان انتصار ملك آكاد ، على مدينتي « إيبلا وأرمان » الانتصار الذي فتح من خلاله الطريق إلى جبال شاطئ البحر الأبيض المتوسط : « منذ قيام أرمان وإيبلا لم يتجرأ أي من الملوك أن يستولي عليهما » . فمدينة حلب العظيمة والمكتملة منذ نشأتها ، وحسب قراءة « باولو ماتييه » فإنَّ تاريخ قيامها يعود دون شك إلى زمن بعيد ، إلى ما قبل الاستيلاء عليها من قبل « نارام سين » في الألف الثالثة قبل الميلاد » . إنَّ حلب التي ما تزال قائمة تنعم بازدهارها هي أقدم مدينة في التاريخ . ولم يحر العلماء في تفسير اسم مدينة أو قرية أو نهر أو جبل ، كما حاروا في تفسير كلمة « حلب » فقالوا : إنها من الأسماء التي تنتابها الحيرة والقلق . فأسماء القرى والمدن العربية الأمورية والآرامية السورية القديمة « السريانية » ذات ثلاثة مداليل .
1ـ مدلول ديني : إنَّ كل قرية في سورية القديمة كانت مملكة ، وفيها معبد ، وإنَّ معظم أسماء القرى والمدن هي أسماء دينية عربية أمورية وعربية آرامية ، مثل : القدس ـ قاديشا ـ « بابيلا ـ بابل : باب الله » النيرب ـ منبج ـ الباب ـ جرابلس ـ حارم ـ « أريحا : منير السموات » ، « كفر تخاريم : مصابيح السماء » ، بلودان ، عندان ، قارة « ملقارة » وكل الأسماء التي تنتهي بـ « ان » دينية « حريتان ـ حيان ـ حيلان » والتي تبدأ بـ « كفر ، وكفرون » صفات للربة العربية الأمورية عشتار . طرطوس ـ بانياس ـ « اللاذقية = اللات كيا ـ أعزاز ـ دار عزة : من اللات والعزة » .
2ـ مدلول طبيعي : براد ـ بردى ـ يبرود ، من البرد ـ ومن الأنهار ذات الأسماء الطبيعية « سيحان وجيحان » ـ جيرود : أراضيها جرداء ـ قاسيون : جبل قاس … الخ .
3ـ مدلول عسكري : تدمر : دَمر ، يُدمّرُ ـ تدمر . وليس معناها الأعجوبة . ماري : جذرها « مَرْ » ومعنى المُرُّ القوة . وفي القرآن الكريم « ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى » .
4ـ إضافة إلى ذلك ، هناك مدن منسوبة إلى أسماء أباطرة أو ملوك أو ملكات في الدول الأوربية .
ـ حلب كان اسمها « أرمان » :
إنَّ اسم « حلب » ليس طبيعياً أو دينياً أو عسكرياً ، بل هو اسمٌ بصيغة الفعل « حلب ـ يحلب ـ تحلب » حلب إبراهيم أغنامه . فالأدلة الأثرية تؤكد بأنَّ كلمة « حلب » بحروفها الثلاثة ، وردت لأول مرة في النصوص المسمارية في العصر العربي الأموري السوري القرن التاسع عشر قبل الميلاد ، وكان اسمها « أرمان » . وإنَّ أقدم نقش أثري يخص حلب ، يعود إلى « نارام سين » في الألف الثالثة قبل الميلاد ، عُثر عليه في « أور » والنقش من كنوز متحف اللوفر . حيث غزا الملك العربي الأكادي « نارام سين » حفيد « سرجون » مملكة « إيبلا » التي تقع في سهل حلب الكبير ، و« أرمان » سُميّت « حلب » فيما بعد . وكلمة « أرمان » مدلول ديني ، من صفات الإله الحلبي « حَدَد إله الصاعقة والمطر » الذي لم يكن يُذكر باسمه ، بل بصفاته احتراماً ووقاراً كما جرت العادة عند العرب الأموريين والعرب الآراميين . و« الإله حَدَد » في سورية هو « أرمان ـ رمانو ـ أبو رمانة ـ روما ـ رمامو ـ الرامي ـ رام حمدان ـ أرمناز ـ وفي فلسطين « رام الله ، وفي شرقها « رمون » وجميع هذه الكلمات من صفات الإله حَدَد إله المطر . و« أرمان : الألف للتنبيه ، ورمان : هو إله المطر » . وفي معظم القرى السورية يوجد « رام » حوض الماء « بل + رامون = بلرامون : صوت المطر » وهو « ريمون حَدَد: إله الماء » و« آرام حَدَد » العالمي . أمَّا « يمحاض » وعاصمتها حلب ، الصواب « يم حَدَد : إله المطر » . ولايوجد في سورية اسم قرية تحمل اسماً لملكة يونانية أو رومانية . يقول فيليب حتي : « حَدَد المعروف باسم رمانو « صانع الصواعق » . وقد اكتشفت كتابة على نصب نذري على بعد أربعة أميال ونصف شمالي حلب ترجع إلى 850 ق.م . كتب عليها اسم ابن حَدَد . ويبدو أنَّ الأكاديين استعاروا هذه الكلمة ريمون « الراعد » من المناطق الغربية . وفي الموسوعة الفرنسية « إنَّ إله الزوبعة « حَدَد » واسمه رامون أي القاصف » . ويقول المؤرخ جيمس فريزر : « كان حَدَد ، أكبر الآلهة الذكور في سورية ، الذي يظهر أنه كان إله الرعد والخصب . ويبدو أنَّ الصاعقة والثور كانا رمزين له . ولهذا الإله اسم آخر هو « رمان » إذ أنه مشتق من الفعل « رمامو » أي يصرخ أو يزأر » . أي الرعد .
ـ تغير الاسم من « أرمان » إلى « حلب » :
إنَّ كلمة « حلب » وردت لأول مرة في المكتشفات الأثرية في العصر العربي الأموري « الكنعاني » في القرن التاسع عشر قبل الميلاد بحروفها الثلاثة . ويرجّح بعض العلماء أو يكادون أنَّ هجرة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، كانت بين أحد التاريخين « 1991 ـ 1786 ق.م » أي قبل حوالي أربعة آلاف سنة . ففي عهد ملك حلب العربي الأموري « سومو إيبوخ : صاحب السمو الأخ الكبير : شيخ مشايخ العشائر العربية الأمورية » أو ابنه الملك « ياريم ليم » أو ابنه الملك « حمورابي حلب » تباركت حلب بهجرة إبراهيم إليها وإقامته في حلب فترة من الزمن إذ كان اسم المدينة في سنة 2370 ق.م « أرمان » . وفي القرن التاسع عشر قبل الميلاد تغير اسم « أرمان » وظهر في نصوص ماري ولأول مرة اسم « حلب » أثناء زيارة سيدنا إبراهيم لتل المدينة « القلعة » وحلبه الأغنام ، حيث معبد صنم « حَدَد » ودعا إبراهيم ملوك حلب إلى التوحيد . وفي مدينة درعا عُرف معبد « حَدَد » وزوجته « عشتار » بـ « الصنمين » .
ـ حلب ليس اسماً طبيعياً أو دينياً أو عسكرياً :
كان « ابن جني » على رأس اللغويين الأقدمين الذين تنبّهوا إلى وجود تناسب طبيعي بين اللفظ ومدلوله . فهو يقول : « فأمَّا مقابلة الألفاظ بما يشاكل « يماثل » أصواتها من الأحداث ، فبابٌ عظيم واسع … وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سَمْتِ الأحداث « الطبيعية » المعبر بها ويحتذونها عنها » . فإذا اعتمدنا على علم الدلالة ، فإنَّ هناك تلازماً بين مناسبة « حلْبِ » إبراهيم الخليل ، أغنامه ، وتسمية العرب الأموريين السوريين ، اسم مدينتهم « حلب » . فحلب ليس اسماً طبيعياً أو دينياً أو عسكرياً ، أو اسماً شخصياً ، بل هو اسمٌ بصيغة الفعل « حلب ـ يحلب ـ تحلب » حلب إبراهيم أغنامه . فالإحساس بالمعاني يسبق اختراع الكلمات .
ـ أساس الاشتقاق في اللغة الفعل ثم الاسم :
1ـ من شروط معنى الكلمة وتحديدها ، أنَّها إذا وُضعت في الجملة أعطت اتساقاً في النص لتفضي إلى جملة مفيدة .
2ـ هناك علاقة طبيعية بين أصوات الكلمة ومعناها . يقول السيوطي : « وأمَّا أهل اللغة العربية ، فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني » .
3ـ بالنظر إلى ضآلة عدد الكلمات في الأسلوب الثنائي انتهج الإنسان أسلوب الجذر الثلاثي واعتبره أساس الكلام .
4ـ ذهبت المدرسة الفقهية الكوفية إلى اعتبار أساس الاشتقاق في اللغة الفعل ، ثمَّ الاسم ، وليس العكس . وإنَّ المصدر الثلاثي هو الشائع بين أفعال اللغة العربية . لهذا فإنَّ معنى « حلب » لم يحمل أياً من الدلالات « الطبيعية أو الدينية أو العسكرية » أو الشخصية ، بل هو اسم بصيغة الفعل : « حلب ـ يحلب ـ تحلب » . فنحن نقول : زاد تزيد « يزيد » . ناخ ينوخ « تنوخ » اسم قبيلة عربية مسيحية قبل الإسلام وبعده . غلب يغلب « تغلب » كذلك قبيلة عربية مسيحية قبل الإسلام . كما عرفت العربيات الصيغ الثلاث من الأفعال «الماضي ـ المضارع ـ الأمر » ولا بد من الإشارة إلى أنَّ أكثر الفقهاء يعتبرون أنَّ الفعل أسبق من الاسم ، والفعل أساس الاشتقاق . لهذا فإنَّ « حلب » : لفظ مكرر متواتر على مرّ القرون والسنين والأيام ، فهو تواتر لفظي نقله جيل عن جيل على صفة واحدة « حلب يحلب تحلب » تكراراً موثوقاً بدوامه تضطر النفوس إلى الإقرار به . يقول أستاذي العلامة محمد الأنطاكي رحمه الله : « هذا القول يظلّ صحيحاً ما بقي المعنى الحقيقي حياً في الأذهان وما ظلّ المجاز واضح العلاقة محسوسها » . ويقول الدكتور صبحي الصالح : « ولا شكَّ أنَّ هناك تلازماً ما بين المناسبة الطبيعية ، وبين الألفاظ والمعاني » .
ـ النبي العربي إبراهيم كان مقامه في تل حلب :
لقد نقل ياقوت الحموي عن الزجاجي : « إنه في زمن إقامة إبراهيم ، في تل حلب « قلعة حلب » لم يكن في ذلك الوقت مدينة مبنية » . وعن ياقوت الحموي نقل عدد كبير من الباحثين والأكاديميين ، لأنَّ عدم إطلاعهم على المجلدات الآثارية التي تخص إيبلا وماري وآلالاخ وأوغاريت ، حرمهم من الصعود أكثر من ذلك . لهذا فإنَّ الاعتماد على ما قاله ابن الكلبي ومن نقل عنه مثل الزجاجي وياقوت الحموي ، وغيرهما ، تدحضه النصوص الأثرية المكتشفة . فالمؤرخ الحلبي ابن العديم « توفي سنة 660 هـ/1261م » يُعدُّ أوّل من تحدث عن معبد حَدَد في قلعة حلب . وسماه « بيت الصنم » قبل حوالي 800 سنة . وقال : « اسم حلب عربي لا شك فيه . وكان لقباً لتل قلعتها . وإنما عُرف بذلك لأنَّ إبراهيم الخليل ـ صلوات الله عليه ـ كان إذا اشتمل من الأرض المقدسة ؛ ينتهي إلى هذا التل فيضع به أثقاله ، ويبث رعاءَهُ إلى نهر الفرات وإلى الجبل الأسود ، وكان مقامه بهذا التل يحبس به بعض الرعاء ـ « رعاة ورُعيان » ـ ومعهم الأغنام ، والمعز ، والبقر » . حسب مصدر ابن العديم : « فصار إليه إبراهيم » أي وصل إلى بيت الصنم « المعبد » في رأس تل قلعة حلب . قال ابن العديم : فأخرج ـ « إبراهيم الخليل » ـ الصنم ؛ وقال لمن حضره من الكنعانيين : ادعوا إلهكم هذا أن يكشف عنكم هذه الشدّة . فقالوا : وهل هو إلا حجر ؟ فقال لهم : فإنْ أنا كشفت عنكم هذه الشدّة ما يكون جزائي؟ فقالوا له : نعبدك ! فقال لهم : بل تعبدون الذي أعبد ؛ فقالوا : نعبد . فجمعهم ـ إبراهيم ـ في رأس التل ؛ ودعا الله ، فجاء الغيث . وضرب إبراهيم برأس تلّه حين أقلع الغيث . فآمنوا برسالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وتوافدوا إليه من كل وجه . وكان يحلب أغنامه في وقت محدد ، وكان الكنعانيون الذين آمنوا برسالته يأتون إليه ، وينادي أحدهم : « ألا إنَّ إبراهيمَ قد حلبَ فهلمُّوا فيطعمون ، ويشربون ، ويحملون ما بقي إلى بيوتهم » .
ـ أهمية حلب عند النبي العربي إبراهيم الخليل :
1ـ إنَّ نبي الله إبراهيم عليه السلام ، بدأ بدعوته إلى التوحيد ، من المركز ، المدينة العالمية حلب . فالرواية التاريخية التي ذكرها ابن العديم ، قبل 800 سنة ، لاتكفي لتأكيد زيارة إبراهيم إلى حلب ، ولابد لها من دليل أثري .
2ـ إنَّ المكتشفات الأثرية التي استندت إلى الرواية التاريخية التي ذكرها ابن العديم ، في البحث عن معبد الصنم للإله حَدَد في قلعة حلب ، واكتشافه عام 1996م ، يُعدَّ برهاناً قوياً على صحة رواية ابن العديم ، وأنَّ النبي العربي إبراهيم ، قصد معبد الصنم العالمي في حلب . وإنَّ دعوته كانت للوحدانية الخالصة . والتوحيد كلمة عربية لغة ووطناً ، وموجهة إلى الوثنيين في عصره وهم عرب أموريون حسب الأدلة الأثرية ، وكنعانيون حسب النص التوراتي . ففي « سفر التكوين ، الإصحاح العاشر » : « وكنعان ولد صيدون بكره وحثا . وبعد ذلك تفرقت قبائل الكنعاني » .
3ـ قبل وبعد زيارة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كانت حلب مدينة عظمية ومزدهرة حسب الرقم المسمارية ، منها نص نارام سين : « منذ خلق العالم لم يقتحم أي ملك مدينة أرمان » . و« أرمان » هو الاسم الأقدم لحلب . وحسب عالم الآثار الفرنسي رنيه دوسو : « استمر الدور الشعائري للإله « إيل = حَدَد » حتى أوج العصر الروماني كما يثبت ذلك العديد من النذور حيث يقترن إيل بالنسرين » . قال عالم الآثار الفرنسي « جان ماري ديوران » : « ظهر في نصوص ماري ، أنَّ إله البحر حدد ، وكان معبده في حلب قبلة الباحثين عن النبوءة والوعد من الملوك العراقيين والسوريين على حد سواء » .
4ـ في عصر إبراهيم الخليل ، كان ملك حلب هو الكاهن الأكبر للإله العربي حَدَد . فمملكة يمحاض « يم حَدَد : إله المطر » كانت قوية اتخذت من حلب عاصمة لها . وكان يُطلق على ملكها اسم « ملك يم حَدَد » وإله حلب هو « ريمون حَدَد » . وحسب عالم الآثار ليونارد ووللي : « زاد في عظمة مملكة حلب امتداد أراضيها حتى بلغت ساحل المتوسط . وكان عشرون ملكاً تابعاً لياريم ليم ملك حلب ، الذي كان باستطاعته وهو سيد هؤلاء الملوك التابعين أن يلعب دوراً بارزاً في توازن القوى المتصارعة في هذا العصر ، إذ كان بارعاً في القيام بمثل ذلك » . فملك حلب هو الذي يقدم شخصياً طقوس العبادة ، ويشيّد ويرمّم ويكرّس المعابد « للإله حَدَد » في سورية ومواقع انتشار عبادة « حَدَد حلب » . ويقوم بطقوس التطهير وتقديم الذبائح واستشارة الإله . وإنَّ واجب الملك الطاعة العمياء للإله حَدَد يسعى لمعرفة إرادته ، إنه يتضرع إلى الإله ليلهمه ، وبالمقابل عليه أن يخضع لإيحاءات الإله ، فيبدأ المعركة عندما يأمره بذلك ، ولايخوضها إلا عندما يشير عليه بذلك .
5ـ حسب النصوص المسمارية فإنَّ جميع الملوك وشعوب الأرض آنذاك ، كانوا يأتون إلى معبد الإله « حَدَد » في قلعة حلب لتقديم الأضاحي . ففي نصوص السوية السابعة من مملكة آلالاخ وعاصمتها حلب « القرن التاسع عشر قبل الميلاد » يتكرر اسم « حَدَد » اثنتين وخمسين مرة . ومثل ذلك في النصوص الأكادية المعاصرة من رأس شمرا حيث تكرر اسم « حَدَد » اثنتين وستين مرة . أمَّا في نصوص رأس شمرا ، فـ « حَدَد » هو البعل الإله السيد دون منازع . كما شهدت المرحلة البابلية القديمة في القرون الثلاثة الممتدة من 1900 ـ 1600 قبل الميلاد ، تعاظم شعبية الإله « حَدَد » فالرقم المسمارية تشير إلى أنَّ « للإله حَدَد » صفات خيرة تتمثل في الغيث والمطر والخصب . وفي عهد السلالة البابلية القديمة ، أحرز « الإله حَدَد » مكانة أكبر في الحياة الدينية . وفي شريعة حمورابي يُدعى « حَدَد » رب الوفرة . وتظهر لنا قائمة مسمارية مزايا « حَدَد » كإله للعاصفة والخصب ، فهو إله الغيم والريح والعاصفة والبرق وسيد الطوفان والمطر ، يتحكم بالريح العاصفة والمدمرة . وفي نصوص الفراعنة نجد ابتهالاً إلى « هبا » حلب اسم إلهة الشمس زوجة « حَدَد » إله العاصفة . وتذكر النصوص الاحتفال الذي أقامه الملوك بمهرجان الرعد لإله العاصفة الحلبي في بوغازكوي في الأناضول . ونجد ابتهالاً إلى « حَدَد حلب » في معاهدة بين الملك الآشوري « آشورينيراي السادس » و« متي إيلو » ملك أغوسي أو أجوشي مملكة عربية سورية بين الفرات وحلب . وتذكر النصوص الآثارية أنَّ الملك الآشوري شلمنصر الثالث ، كان يتوقف في حلب في ذهابه وإيابه من إحدى حملاته من أجل تقديم الأضاحي لـ « حَدَد حلب » .
6ـ هذه براهين علمية على مكانة الإله الحلبي العالمي « حَدَد » عند ملوك العالم آنذاك زمن زيارة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى حلب . وإنَّ معبد حَدَد في تل حلب « القلعة » وصفه ابن العديم بـ « معبد الصنم » . لهذا فإنني أجزم مستنداً إلى المعطيات الأثرية ، بأنَّ زيارة إبراهيم ، لمعبد الصنم في حلب ليدعو ملك حلب صاحب المكانة العالمية إلى التوحيد كانت حتمية وبسبب مكانة معبد الصنم « للإله حَدَد » العالمية ونفوذ حلب الديني والتجاري والعسكري العالمي حيث كان يتبع لحلب حوالي عشرين ملكاً . وإنَّ النصوص المسمارية في « آلالاخ وعاصمتها حلب 3000 ق.م ، وإيبلا 2400 ـ 2200 ق.م ، وماري 1800 ق.م ، وأوغاريت 1450 ق.م ، وبابل 1750 ق.م » أجمعت على أنَّ حلب كانت المركز الرئيسي والعالمي لـ « بيت الصنم » وعبادة « الإله حَدَد » . فحسب عالم الآثار جان ماري ديوران « قارىء نصوص ماري » : « كان النظام العالمي آنذاك يتعلق بإله حلب حَدَد وحده ! وما من ملك يجرؤ على مخالفة رغباته » . وحسب رواية ابن العديم وصل نبي الله إبراهيم الخليل إلى تل حلب ، حيث بيت الصنم « معبد حَدَد » في رأس تل قلعة حلب . وأخرج « الصنم » ؛ وقال لمن حضره من الأموريين « الكنعانيين » ادعوا إلهكم هذا أنَّ يكشف عنكم هذه الشدّة . فقالوا : وهل هو إلا حجر … إلى آخر الرواية التي أوردها ابن العديم . ففي زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام ، لايوجد مدينة مثل حلب ، يبدأ منها نبي الله إبراهيم دعوته إلى التوحيد . هذه أدلة علمية على عظمة حلب منذ نشأتها ، وتخالف تماماً رواية الزجاجي .
7ـ إنَّ اكتشاف معبد الصنم للإله الحلبي العالمي « حَدَد » في قلعة حلب عام 1996م ، جعل حضارة حلب تشرق من جديد وأثبت زيارة نبي الله إبراهيم الخليل إلى حلب بالحجة والبرهان . وأثبت أنَّ حلب أرض التوحيد قبل أي مدينة في التاريخ ، وأهلها أول من قال : « لا إله إلا الله » . وما « الإله حَدَد » في معتقداتهم القديمة ، إلا « الواحد الأحد » في السماء خالق الكون . ومعنى « حَدَد » Hadad « الواحد الأحد » بفتح الحاء وفتح الدال ، إله المطر والخير ، وليس « حُدُد Hodod » التي لفظها اليهود « هُدد » التي تعني إله الشر والهدم والتهديم ، لأنهم كانوا يكرهون الإله العربي الأموري « الكنعاني » . واعتبروه مثل إلههم الاستعماري « يهوه » . وهذا يُعد أعلى درجات تزييف التاريخ وتشويه الحقائق . يقول « ديورانت » : « وظل السوريّون يعبدون حَدَد Hadad وأترجاتس « عشتار » . ويقول فايز مقدسي : « ومعناه الواحد الأحد » . وفي الجاهلية ذكر أهل الأخبار أنَّ « زيد بن عمرو بن نفيل » كان يأمر بالتوحيد وبعبادة إله واحد ، من ذلك قوله :
لاتعبدن إلهاً غير خالقكم وإن دُعيت فقولوا دونه حَدَدُ
ـ أما عالم الآثار السويدي « ديتلف نيلسن » فيعتبر أن « اسكلبيوس وأبولو وأفروديت وحَدَد ، ساميين شماليين وليس من الجنوب ، وإنَّ كثيراً من الأسماء هي عبارة عن أسماء « صفات » متعددة لإله واحد . واسم الإله عادة في الأصل يدل على صفة من صفات الله ، ومع مرور الزمن يضيع معنى البدل ويبقى البديل مستعملاً كاسم . وقد حصر الاختصاصيون جهودهم وحددوها بالحدود الجغرافية للمواضع التي وجد فيها الإله أو « المعابد » ولم يفكروا في القيام بدراسة مقارنة مع « الإله الوثن » في الأقاليم المجاورة . وعلى الرغم من ذلك ، فإنَّ أسماء الأعلام والنقوش شاهدة على أنَّ عدداً عظيماً من هذه الأسماء الاسمية هو في الواقع عبارة عن أسماء « صفات » متعددة لإله واحد » . فالاسم وصف للمسمى ، لذلك كلما تتسع الفكرة التي عند الإنسان عن المسمَّى « الله » يفيض خاطره بالمسميات أو الألقاب . وكذلك في الأسماء التسعة والتسعين لله في القرآن الكريم ، كذلك الأسماء العديدة للسيد المسيح ، ومريم في الديانة المسيحية » . قال الله عز وجل : « أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى » سورة الزمر .
8ـ يقول عالم الآثار العربي السوري الدكتور فيصل عبد الله : « امتد نفوذ حلب في كامل المشرق العربي ووصل نفوذ حضارتها إلى الهضبة الإيرانية … حيث إنَّ إله مدينة حلب المعروف « حَدَد » إله الطقس والرعد والمطر والعطاء ، قد أصبح ذائع الصيت في فترة الازدهار هذه وصار يتدخل في شؤون الملوك ويقرر مصائرهم ولابد من استشارته واستشارة كهنته القابعين في ظل مَلكِهم الحلبي ، كي يفوزوا برضاه وبرضى « حدد » إله الصاعقة والرعد » . فهذه أدلة علمية تؤكد زيارة إبراهيم الخليل إلى حلب ، لنشر التوحيد فيها ، نظراً لقوة ملك حلب آنذاك وأهمية معبد حَدَد العالمي .
9ـ وعن عروبة سيدنا إبراهيم ، ورد في القرآن الكريم إخبار بأنه تكلم بلسان عربي مبين « قَالَ هَـذَا رَبِّي » . قال الله عز وجل : « وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 75 » فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ « 76 » فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ « 77 » فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ » سورة الأنعام . يقول العلامة عباس محمود العقاد ، في كتابه « أبو الأنبياء » : « إنَّ الدعوات النبوية التي بدأتها سلالة إبراهيم دعوة لم يظهر لها نظير في غير الأمم العربية . وقد ختمت بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وجاءت دعوة محمد ، متممة لها ، فلا تفهم واحدة منها منفصلة عن سائرها ، بترتيب كل منها في زمانها . ومن قرائن الثبوت أنَّ هذه الدعوات النبوية نسبت إلى أصل واحد هو السلالة العربية ، قبل أن يعرف الناس علم المقارنة بين اللغات . لهذا لا يمكن أن يُقال عن إبراهيم إنه عبري إذا كان المقصود بالعبرية لغة مميزة بين اللغات العربية تتفاهم بها طائفة من العرب دون سائر الطوائف . فإذا فتشنا عن نسبة لإبراهيم لم نجد أصدق من النسبة العربية . فإبراهيم الخليل هو أبو إسماعيل ، الذي هو الجدّ الأكبر لعدنان ، الجدّ الأكبر لهاشم ، الجدّ الأكبر لمحمد بن عبد الله « صلى الله عليه وسلم » . وقد تعرّض الإمام الشافعي لمسألة عروبة القرآن ، وذكر أنه ليس فيه شيء إلا بلسان العرب ، ومن قال غير ذلك فهو يصدر عن تقليد بدون حجة . وفي القرآن الكريم جاء اسما إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام مقرونين بالجزيرة العربية وبيت الله العتيق . قال الله تعالى : « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » سورة البقرة . فالعربية الأمورية تطورت إلى العربية الآرامية ، ثم إلى « العربية السريانية » العالمية ، ثم الفصحى « زمن نضوج اللغة العربية » .
ـ آراء في معنى كلمة حلب :
ثمة تسميات عديدة لمدينة حلب اخترعها مستشرقون استعماريون ، أحصيت منها أكثر من خمسين تسمية لاتستند إلى دليل أثري ، بل هي أصوات لألسن غير عربية في لفظها كلمة « حلب » . قال الله تعالى : « منَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ » . يقول العلامة الدكتور فخر الدين قباوة : « استطاع رجالات الطابور الخامس للثقافات الغربية والشرقية أن يغرسوا في حياة العرب والمسلمين ما لم تستطعه أساطيل الدمار وقرون الاستعمار ، لأنهم تلقوا العلوم والمعارف والبعثات والشهادات والمكافآت والمغريات في بلاد العدو ، أو تشبعوا بمبادىء الاستعمار وفلسفاته وتوجهاته ، وعبدوا شعاراته ومقولاته ، واستقدموا المستشرقين وعملاءهم إلى الجامعات والمؤسسات الثقافية والعلمية ، ينثرون لألاء الفرنجة في الألسنة والأفئدة والأنامل ، فصار لهم مرتع واسع الأمداء ، وحقول عامرة بالتأييد والمحبة والانقياد » . فمن أسماء حلب التي وردت في مؤلفات بعض المستشرقين : « حالاب ـ حلابو ـ خلمان ـ خلب ـ حلوان ـ حيلبون ـ حرب ـ خلفن ـ حالا اب ـ حلبأبا ـ حلاب ـ حلبو ـ حلابيز » . فهل كلمة « حلب » اليوم ، تكتب كما هي في اللغات الأوربية ؟ وعلى ذلك تُقاس الأشياء . قال الباحث عبد الفتاح قلعه جي ، نقلاً عن غيره دون أن يذكر مصدره : « إنَّ العودة إلى الآثار تعرض لنا لفظ « حلب » جاء بتضعيف اللام « حلَّب » وبفك التضعيف يكون تركيب اسم حلب « حل ـ لب » . فالباحث قلعه جي ، بعد أن قال « إنَّ العودة إلى الآثار » التي لم يشر إليها ، أضاف : نعتقد أنَّ مدلول كلمة « حلب » لايخرج عن كونه مكان « التألب والتجمع » أو« مكان القلب » . وكانت حلب مكان القلب والتجمع بين ماري وإيبلا وكركميش وأوغاريت » . وهكذا فإنَّ الباحث عبد الفتاح قلعه جي ، سرعان ما انتقل من الدليل الأثري الذي لم يذكره إلى « الاعتقاد » دون برهان علمي . أمَّا العلامة خير الدين الأسدي ، رغم مكانته العلمية الرفيعة ، فقد حسم الأمر بقوله دون أي دليل تاريخي أو أثري وقال : « لفظ حلب القديم هو « حلَّب » بالتضعيف ، وإن شئت فارسم « حل ـ لب » فهو إذن كلمتان أصليتان مزجتا معاً فكان منهما « حلَّب » كانت مضعَّفة » . فقد اعتبر العلامة خير الدين الأسدي أنَّ التضعيف هو القياس ، وبذلك خالف الدليل الأثري الذي وردت فيه كلمة « حلب » في نصوص ماري بثلاثة حروف دون تضعيف . أمَّا الباحث صبحي الصواف ، فقد ذكر تفسيراً عجيباً لكلمة « حلب » فقال : « إنَّ نبيذ حالبيون كان معروفاً في العصور القديمة حتى إنَّ الملك الفينيقي حيرام المعاصر لسليمان الحكيم كان يثني عليه . كما أنَّ صيبا الطبيب الخاص لداود الملك كان ينصحه باحتسائه . فاسم « حلب » إذاً يعني النحاس ، كما أنَّ هذه التسمية لها صلة كبيرة بالكرمة أو النبيذ » . وهكذا ربط صبحي الصواف ، معنى كلمة « حلب » بـ « الكرمة والنبيذ » . وقرأت في كتاب بأنَّ كلمة حلب وردت بالخاء في النصوص الحثية . وفسروا معنى « خلب » بالدهن . أقول : إنَّ آرامية « معلولا » العربية السورية ، تلفظ « الخاء » بدلاً من الكاف . فكلمة « ذكر » تُلفظ بآرامية معلولا : « ذَخْرا » . و« كلبا » الكلب = تلفظ « خلبا » وهكذا . فما علاقة « خلب » بكلمة « حلب » وكيف تم إلصاقها بالحثية ؟ . وفضلاً عن ذلك فإنني على يقين أنه لايوجد نص مسماري واحد في كل متاحف العالم ، ورد فيه كلمة « حثية » وهذا يقودنا إلى نتيجة أنه لايوجد نص مسماري حثي ، ورد فيه كلمة « حلب » بكل أشكال رسمها كما يزعمون . لأنَّ كلمة « حثية » توراتية . فقد ورد في « سفر التكوين ، الإصحاح العاشر : « وكنعان ولد صيدون بكره وحثا .. وبعد ذلك تفرقت قبائل الكنعاني » . فإذا كان كنعان عربي « أموري » فـ « حثا » عربي ، لكنهم جعلوه « هندو أوربياً » رغم أنف التاريخ . يقول عالم الآثار جارني : « ظهر الحثيون في التوراة . وكلمة حثية أطلقها العلماء المحدثون على هذه اللغة .. وقد قبلت هذه التسمية ، ولكن إذا قصدنا دقة التعبير فهي غير صحيحة . وهكذا نكاد نجزم بأنَّه ليس بين الغزاة الهنود ـ الأوربيين من أطلق على نفسه لقب حثي » . وقال عالم الآثار الإنكليزي سير ألن جاردنر : « إنَّ اللفظ السلالي « حثيون » جاء عن طريق التوراة . وإنَّ استخدام كلمة حثيين ظل سائداً لدى الباحثين ، ولم تقم محاولة للتخلص منها » . أقول : كيف زعم كثير من الأكاديميين ، بأنَّ كلمة « حلب » وردت في النصوص الحثية ؟ . أمَّا الدكتور الحلبي محمد أسعد طلس ، الحائز على درجة دكتوراه الدولة في الآداب من الجامعة المصرية وجامعة بوردو بدرجة مشرف جداً ، قال عن الكتابة في جامع القيقان بحلب : « والصحيح أنَّ هذه الكتابة « حثية وعبرية » كما ذكر سوفاجيه » وكرَّر العبارة في مكان آخر ، قائلاً : « وعليه كتابات حثية وعبرية » . أقول : إنَّ الدكتور « طلس » لم يُكلّف نفسه عناء التساؤل لماذا هي « حثية عبرية » ؟ . فاليهود تبنوا اللغة العربية الأمورية « الكنعانية » فكيف تكون لهم أصول لغوية اسمها « عبرية » ؟ . فاليهود تكلموا العربية . ففي « سفرا أشعيا » : « تكلمت شفة كنعان » .
ـ التعقيب المضاد على رأي الأسدي والصواف :
1ـ إنَّ كلمة « حلب » ليس معناها النحاس أو الحديد ، كما قال جورج دوسان ، ومن نقل عنه ، ولا مجال للتوسع هنا . أمَّا معنى كلمة « حلب » فهو لا يمت بصلة إلى الكرمة ولا النبيذ . فالنص التوراتي مصدر صبحي الصواف ، تحدث عن خمر « حلبون » من أعمال دمشق . ففي سفر حزقيال الإصحاح 27 : « دمشق تاجرتك . بخمر حلبون » . ولعلَّ صبحي الصواف نقل من كتاب المؤرخ اللبناني يوسف الدبس ، الذي نقل من التوراة : « دمشق متجرة معك بكثرة . بخمر حلبون « حلب » . لقد أقحم يوسف الدبس اسم « حلب » في النص التوراتي ، ووضعه « بين قوسين من عندياته » لأنَّ كلمة « حلب » لم ترد في التوراة ، وعن الباحث يوسف الدبس ، نقل كثيرون . إلا أنَّ « يوسف الدبس » سرعان ما استدرك الخطأ في الجزء الثالث من موسوعته قائلاً : « حلبون الوارد ذكرها في نبوة حزقيال ، بقوله « دمشق متجرة معك . بخمر حلبون » المراد بـ « حلبون » في جوار دمشق لا « حلبون » القريبة من حلب أو حلب نفسها » . وهكذا فإنَّ يوسف الدبس ، جعل « حلبون » مرة قريبة من دمشق ، ومرة هي « حلب » ومرة قريبة من حلب ، ونسي ما قاله في الجزء الأول من كتابه : « دمشق متجرة معك بخمر حلبون « حلب » حين أضاف كلمة « حلب » على النص التوراتي ، وأصبح خطأه شائعاً ومن الصعب تصحيحه ، ومن هذه المؤلفات هناك من تبرع مجاناً بنقل الأخطاء الفاحشة على مواقع « الأنترنت » إمعاناً في تشويه تاريخ حلب ، جهلاً أو تجاهلاً غباء أو تغابياً . والخطأ نفسه وقع فيه المؤرخ اللبناني لويس شيخو ، حين قال دون دليل : « كتابة حرَّرها أحد وجوه المصريين يصف فيها رحلته إلى سورية ، ويذكر من جملة ما زار من المدن مبتدئاً بالمدن الداخلية إلى حلبون يريد بها حلب الشهباء » . كل هذه التفسيرات لمعنى « حلب » طُرحت بصورة ساذجة وسطحية بامتياز .
2ـ لايوجد في محافظة حلب قرية اسمها « حلبون » . وحين تأكدت من التوراة تبيَّن أنَّ « حلبون » لم يُقصد بها حلب . وقال مفسرو التوراة « حلبون » اشتهرت بجودة خمرها وكان يُظن سابقاً أنَّها حلب ، و« حلبون » في وهدة الجبل الشرقي في دمشق . أمَّا صديقي الدكتور أحمد فوزي الهيب ، فقد نفى العروبة عن كلمة « حلب » نفياً قاطعاً جازماً دون دليل ، مخالفاً جميع البراهين والنصوص الأثرية كما سنرى لاحقاً ، وقال في مجلة عاديات حلب « العددان 3 ، 4 ، عام 2006 » : « إنَّ ابن العديم ادعى أنَّ اسم حلب عربي لاشك فيه وكان لقباً لتل قلعتها ، ولا يمكن أن نقبل ذلك لأنها سُميت به قبل وجود العرب » . وفي المقال نفسه لم يوضح لنا الدكتور أحمد فوزي الهيب ، وجه التشابه بين لفظ « حلوان » و« أرمان » . وقال : « فلاشك في أنَّ « أرمان » القريبة لفظاً من « حلوان » الآشورية . ولا أعرف من أين أتى الدكتور « الهيب » بهذا « اللاشك » أنَّ « أرمان » قريبة لفظاً من « حلوان » وما هو دليله على أنَّ كلمة « حلوان » آشورية ، وليست عربية . و« حلوان » تقع عند أسفل أبواب زاغروس وليس في سورية . ومثله مختار فوزي النعال في كتابه عن « حلب » جزم بأنَّ كلمة « حلب » ليست عربية ، وقال : « أمَّا حلب فلفظ غير عربي وليس كما توهم ابن العديم . وقال : وهذا زعم خاطىء لا يعضده رأي علمي ولا صحة لما قيل أنَّ إبراهيم كان يقطن في حلب » . ولكن الباحث « مختار فوزي نعال » لم يذكر لنا رأيه العلمي حين اتهم ابن العديم بأنَّ « زعمه خاطىء ولايعضده رأي علمي » . لقد كشف « ج . ب . آدم » مدير مكتب علم العمارة في العصور القديمة في باريس في مؤلف صدر بعنوان « الآثار أمام الدجل والتضليل » : « الصفة المخادعة المخاتلة الافتراضية لعلم ما من علوم الماضي . لقد أعلن المؤلف أنه كان مذهولاً من رؤية العقل السليم مستهزأ به إلى هذه الدرجة ، وأنه هو نفسه لم يتجرأ على أن يذهب إلى آخر ما يمكن أن يوصله إليه منطقه » .
3ـ إنَّ هذه التأويلات حول معنى كلمة « حلب » خاطئة علمياً . فباب « الاعتقاد » لامكان له في البحث الآثاري ، أمَّا باب « الظن » فيحتاج إلى دليل . تقول القاعدة : « إن وجدنا دليلاً واحداً قلنا « نظن » ـ ولم يقل أحد « أعتقد » ـ وإن وجدنا دليلين قلنا « نرجِّح » وإن وجدنا ثلاثة أدلة فما فوق حق لنا أن نقول « نقرر » . وفضلاً عن ذلك فإنَّ ما قاله خير الدين الأسدي : « إنَّ شئت فارسمها « حل ـ لب » ومن نقل عنه « وما أكثرهم » ليس صحيحاً . لأنَّ العرب الأموريين والعرب الآراميين لم يستعملوا « التضعيف » بل استعملوا حروف « الواو والياء والألف » لتأدية معنى الحركات فقالوا : « بعلو » و« بعلي » و« بعلبا » . وحرف الواو في آخر الكلمة إبداع عربي آرامي وهو صيغة تحبب مثل « رمامو ـ مامو ـ « أمة العزى . و« عزيزو » يقترن بالإله « أرصو » عند أهل تدمر . إنَّ « آرصو ، وعزيزو « العزى » إله القوافل . وكانوا يسمون الوقت الذي قبل السوق « حمو السوق » إنَّ حمَّه ومنها كلمة « حماه » اسم ديني مملكة عربية أمورية وآرامية سورية ، وحمَّاه : اسم للشمس عند الشعراء . وفي حماه ، فإنَّ الإله « بعل » كان مصحوباً بالألقاب الشمسية . وللتصغير أضافوا « الواو والنون » بدلاً من التضعيف فقالوا : « رامون ـ رمون ـ ريمون ـ سيمون ـ بلرامون » وهي صفات الإله الحلبي « حَدَد » . وفي صيغة التصغير قالوا : « كرمون ، بدلاً من « كريّم » ـ قاسيون ـ حمدون ـ أدون « أدونيس » كفرون ـ سمعون ـ زيتون » . وفضلاً عن ذلك فإنَّ كلمة « حلب » وردت في نصوص ماري العربية الأمورية ، بحروفها المسمارية الثلاثة دون تضعيف .
ـ كلمة حلب عربية وشعبها عربي منذ فجر التاريخ :
أمَّا أصحاب الاختصاص من علماء الآثار ، فقد استندوا إلى الرقم الأثرية المكتشفة في الأرض العربية السورية ، وقالوا بأنَّ أول من سكن سورية هم عرب كنعانيون « أموريون » قال ولفنسون : « إنَّ جموع الكنعانيين « تقسم إلى كتلتين كبيرتين كوَّنت الأولى منهما الممالك الكنعانية في سورية ، وكوَّنت ثانيتهما دول الكنعانيين ومستعمراتهم في جزر البحر الأبيض وفي شمال إفريقية وفي جنوب أوربا . ولم ينص التاريخ على أنَّ سورية كانت مأهولة بأحد قبل الكنعانيين » . يقول محمد فرزات حرب، وعيد مرعي : « فلغات « العربية القديمة » هي الأكادية بفروعها ، والكنعانية ـ الآرامية بفروعها ، والعربية بفروعها ولهجاتها حتى القرن السادس الميلادي … وقد ذهبت المدرستان التوراتية والإغريقية إلى تقسيم ساحل بلاد الشام إلى قسمين : الأول كنعاني « جنوب صور » والثاني فينيقي « شمال صور » وذلك تمشّياً مع نصوص التوراة ومع التراث الأدبي اليوناني » . وقال عالم الكتابات المسمارية الشهير العربي السوري الدكتور فيصل عبد الله : « إنَّ التسمية الحقيقية التي يجب أنْ ترافق تسمية الفينيقيين هي « أمور ، وأموريين » ذلك أنَّ الشواهد المسمارية تثبت أنَّ سكان العراق وسورية ولبنان وفلسطين والأردن وشبه الجزيرة العربية هم من الأموريين البدو أو الحضر … وهذه الحقيقة يجب أنْ تحلّ محلّ المصطلح الضيق الفينيقي اليوناني المتأخر . وإنَّ اللغة التي كتبت بها نصوص أوغاريت ـ اللهجة الأوغاريتية ـ هي لهجة أمورية … وأقرب لغة حديثة لها العربية ، وأقرب المعاصرة لها الآرامية . وقال أيضاً : « الأموريون من طينة الأكاديين وأولاد عمومتهم . وإنَّ سورية أصل الأكاديين والأموريين ـ والآراميين . وإنَّ حلب أقامت علاقات زراعية واقتصادية مع وادي الفرات . وإنَّ اكتشاف محفوظات إيبلا المسمارية « جنوب حلب » هو ما يعبّر عنه بأنَّه ثورة وانقلاب في مفاهيم التاريخ القديم وسلمه الزمني ، وهو الدليل الوحيد على أقدم ثقافة سورية شامية عربية . فقد أدَّت الحفائر الإيطالية قرب حلب إلى واقع تاريخي جديد .. وبذلك فُتح حقل جديد من الدراسات اللغوية حيث توافرت نصوص أقدم من نصوص أوغاريت بألف سنة . وإنَّ الحصاد العلمي والفني الذي تركه اكتشاف آلالاخ وعاصمتها حلب « بين حلب والبحر المتوسط » فاق ويفوق حتى الآن ، حصاد إيبلا، ويعادل حصاد ماري ، ويتمم ويرسم حصاد أوغاريت برمته . وإنَّ آلالاخ أسست منذ بداية عصور البرونز 3000 ق.م. وقال عالم الآثار باولو ماتييه ، مكتشف مملكة إيبلا : « تُعدُّ حلب عاصمة بلاد يمحاض مركزاً حضارياً مهماً وسلطة سياسية في شمال سورية في القرن الثامن عشر ق.م ، وإنّ إيبلا قد تحولت في هذا العصر إلى مدينة ثانوية في دائرة السلطة الحلبية القريبة منها ، بدليل ذكرها في نصوص « آلالاخ » وعاصمتها حلب ، حيث تمَّ زواج ملكي بين عائلتي المدينتين الملكيتين » . فماذا يقول الذين شككوا بعروبة كلمة « حلب » ، وقالوا : « لا يمكن أن نقبل ذلك لأنها سُميت به قبل وجود العرب » ؟ . مخالفين الأدلة الأثرية التي أثبتت عروبة سورية أرضاً وشعباً وآثاراً قبل خمسة آلاف سنة ولاسيما نصوص آلالاخ وعاصمتها حلب . وماذا يقول الذين زعموا بأنَّ كلمة « حلب » لها صلة بالكرمة والنبيذ . إلخ ؟ . وأنا على يقين من استحالة الجواب . يقول العلامة الفرنسي بيير روسي : « لايكفي الإنسان أن يتكلم ، بل عليه أن يتكلم ما هو صحيح . ولأنَّ صحف بلادنا أكثر احتراماً للحقيقة ، فإنها أدخلت اليونان في منطقة الشرق الأوسط وعهدت بدراسة المشاكل الهيلينستية إلى صحافيين مختصين في أخبار العرب التاريخية ؟ وإنه لتصرف عاقل وأفضل بكثير من الرؤية الجزئية المحابية للكتب المدرسية » .
ـ الوثائق الأثرية غيرت المفاهيم القديمة :
إنَّ التاريخ القديم يتم بواسطة الوثائق ، وهي الآثار التي خلفتها الوقائع الماضية . والوقائع الماضية لانعرفها إلا بما بقي لنا من آثار عنها . وإنَّ العمل في التاريخ هو عمل نقدي . وإنَّ الطرق الأمينة التي يتبعها نقد التحصيل قد رفعت التاريخ إلى مرتبة العلم . وفيما يتعلق بالمصادر التاريخية ، فإنَّ نقد المصدر يحمي الباحث من الوقوع في أغلاط فاحشة . يقول المؤرخ الفرنسي فوستيل دي كولانج : « إنَّ لدراسات الكلمات أهمية بالغة في علم التاريخ . فاللفظ الذي يُفسر تفسيراً خطأ يمكن أن يكون مصدراً لأغلاط فاحشة » . أمَّا بعض مجلاتنا العربية ، وهروباً من عناء البحث والتحقق علمياً مما يرد إليها من مقالات وقبل أن تصل إلى القارىء ، فهي ملتزمة بعبارتها الشهيرة : « الآراء الواردة في المجلة تُمثل وجهة نظر أصحابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير » . هذا هو الفرق بين مجلاتهم ومجلاتنا ، ومواقعهم الالكترونية ومواقعنا . يقول الدكتور هشام شرابي : « الثقافة الأكاديمية في العالم الثالث الحديث هي جوهرياً ثقافة أكاديمية منقولة ، تُنتج معرفة غربية وتُعاود إنتاجها » . أمَّا في أوربا ، فالقانون هناك كما يقول الدكتور أحمد ارحيم هبو : « ظهرت تسمية « اللاسامية » التي صارت تعني معاداة اليهود الذين اعتبروا أنفسهم الممثلين الحقيقيين للسامية ، وروج اليهود أنفسهم لهذه التسمية ، حتى صارت بعد الحرب العالمية الثانية جريمة لا تغتفر ويعاقب القانون في المجتمع الأوربي والأمريكي عليها نتيجة لنفوذ اليهود في العالم » . وإنَّ من يكتب التاريخ هو الذي يمتلكه .
ـ حلب لقبت بـ « البيضاء والشهباء » :
إنَّ الرواية الشعبية التي تقول بأنَّ نبي الله إبراهيم ، كان عنده « بقرة شهباء » يحلبها ، لاصحة لها ، وهي مخالفة للحقائق العلمية التي أوردتها في المقال . ويُعدُّ الطبيب العراقي المسيحي ابن بطلان أول من أطلق لقب « البيضاء » على حلب حين زارها سنة 440 هـ/1048م ، وقال : « دخلنا من الرُّصافة إلى حلب في أربع مراحل وحلب بلدٌ مسوَّرٌ بحجر أبيض » . أمَّا المؤرخ الحلبي ابن شداد « توفي سنة 684هـ/1285م » فهو أوَّل من وصف حلب بـ « الشهباء » وقال : « تُلقب بالشهباء وذلك لبياض أرضها ، لأنَّ غالبَ أرضها من الحجارة الحوّارة وترابها يضرب إلى البياض ، وإذا أشرف عليها الإنسان ظهرت له بيضاءَ » . ولكن يبقى السؤال مطروحاً . إذا كان ابن شداد وصف حلب بـ « الشهباء » وهي صفة للون حجارتها المسمَّى بحلب « الحجر السوري » فلماذا وُصفت « شهبا » في جنوب سورية بهذه التسمية وحجارتها سوداء ؟ .
عامر رشيد مبيض 
مؤلف كتاب « شمس سورية تسطع على أوربا » 600 صفحة . يتضمن حضارة المدن المنسية وتحرير تاريخ آثار سورية من التزوير الاستشراقي ، وفضل المسيحيين السوريين على حضارة أوربا والعالم . والحضارة اليونانية والرومانية عربية أمورية وعربية آرامية سورية . 
Alepphistorian1@ hotmail.com
عالم أثار

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com