البداية الحقيقية للربيع العربي بقلم: سمير كرم

البداية الحقيقية للربيع العربي بقلم: سمير كرم
مصر تحولت الى ميادين قتال.
الدم يراق والأرواح تزهق حيثما ولى الإنسان وجهه في أنحاء المحروسة مصر.
ما أقسى أن يشعر المرء بأنه مضطر لان يكون مجرد مراقب للأحداث من خارج ميادين القتال. ما أقسى أن ترقب العنف يحصد أرواح الشباب المصريين الذين اتخذوا قرارا واضحا بأن لا بديل من التضحية. فهذا هو الطريق الوحيد الى إنقاذ مصر من الجمود والخمول والتراجع والتقهقر بعد ثورة عظيمة أشاد بها العالم وتمناها ثورة تعم المنطقة كلها التي ما عرفت مصر إلا دورا قياديا فيها.
لكن الامل لا ينقطع ولا يموت ابدا، في ان تستأنف مصر ثورتها وتنتزع مكاسبها من أيدي الذين أرادوا لها ان تنتكس. ان مصر انما تستأنف ثورة «25 يناير» بتصميم أشد وهمّة لا مثيل لها. وتظهر مصر استعدادا أكيدا لان تبذل من أرواح شبابها كل ما يلزم لكي تستأنف الثورة وتستعيد السلطة التي أراد فريق لا ينتمي الى القوى الثورية بأي حال، ان يستولي عليها وان يخنقها في اطار تنظيم، أظهر منذ سنوات وسنوات استعداده لان يمالئ السلطة من أجل المشاركة معها في الحكم.
عرفت مصر وعرف شبابها، ان لا مفر من ان تعلن بوضوح رفضها سلطة «الاخوان المسلمين»، ذلك التنظيم الراكد الذي انقض على السلطة بعد أحداث «ثورة يناير» 2011 بخدعة الديموقراطية، بتزييف الديموقراطية تحل محل الثورة وأهدافها ومحل انطلاقتها لترسي حكما رجعيا يتحالف مع اكثر ديكتاتوريات الوطن العربي خداعا وثراء. عرفت مصر ان «الاخوان المسلمين» تنظيم لا تهمه مصر الوطن ولا مصر القائدة لثورة الوطن العربي. فكان لا بد لشبابها الثوري ان يبرهن على ان الثورة مستمرة وانها لم تتوقف ولم تذبل. تبرهن أحداث الايام الماضية منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني 2013 على ان الربيع العربي يبدأ من مصر. وتبرهن هذه الاحداث على ان ما فات من بدايات 2011 لم يكن ربيعا عربيا، انما كان مخطط المؤامرة الغربية لابتلاع الثورات العربية وتثبيت قوى عرفت بميلها الاكيد نحو الرجعية والاستعداد للتحالف مع الامبريالية الاميركية والصهيونية. تبرهن أحداث مصر الجارية ان للربيع العربي بداية جديدة وانطلاقة جديدة. بداية تنطلق من مصر. ولن تجد مصر نفسها مرة اخرى في بداية مسيرة للتراجع عن الثورة، انما في بداية مسيرة عربية للأمام تدفع الثورة في المحيط العربي كله، لا تستثني الديكتاتوريات الملكية ولا تترك السلطة بيد التنظيمات الرجعية التي ارتضت ان تتحالف مع الامبريالية الاميركية والاوروبية العائدة لإجراءات فرض سيطرتها على الوطن العربي والانطلاق منه الى افريقيا.
هذه هي البداية الحقيقية للربيع العربي. ولن يستطيع أحد من الطامعين في البقاء في السلطة أن يخمد هذه البداية بعد ان فضحت قوى الثورة في مصر التحالف بين قوى اليمين المسلحة في مصر، وقبل ذلك في تونس، وبعدها في ليبيا ثم في سوريا وقوى الهيمنة الاميركية والغربية.
وسط أحداث الثورة التى استأنفها الشباب المصريون لانتزاع السلطة من تنظيم «الاخوان المسلمين»، تفاجأت مصر بوصول وفد «عسكري» أميركي الى القاهرة في عز حرارة الميادين بالثورة والدم، وفد يضم قائد القوات الاميركية في المنطقة ومدير المخابرات وقائد العمليات الخاصة بمكافحة الارهاب في «البنتاغون» (وزارة الدفاع الاميركية). زيارة وصفت إخباريا بأنها لمدة ساعات فقط، ولم يكن قد أعلن عنها من قبل. وقد بدأت هذه الزيارة بعد ساعات فقط من بداية الاحداث الثورية في مصر. وقيل ان الوفد العسكري الاميركي جاء الى القاهرة إما من العاصمة الاردنية عمّان أو من بيروت. ومعنى هذا ان التعليمات صدرت اليه بأن يذهب الى القاهرة في مهمة عاجلة. تسأل في الشارع المصري الغارق في دخان الغازات المسيلة للدموع عن رأي الشباب في زيارة الوفد العسكري الاميركي فلا تجد أي قدر من الاهتمام به، لا بتكوينه ولا بالمهمة التي من أجلها جاء في هذا الوقت العصيب. الشباب يشعر أن لا شيء يمكن ان يوقف مهمته الثورية مرة أخرى. ان تجربة العامين الماضيين كافية.
ويتردد في العاصمة المصرية ان الوفد العسكري الاميركي جاء لغرضين أساسيين: اولا معرفة مجريات الامور على الطبيعة وإظهار مدى الاهتمام «العسكري والمخابراتي» الاميركي بما يجري في مصر، وثانيا تقديم النصيحة بما ينبغي عمله في مواجهة هذه الثورة.
يتردد في القاهرة ان وصول الوفد العسكري والمخابراتي الاميركي الى مصر يعطي مؤشرات الى ان الادارة الاميركية والسلطة العسكرية تحت إمرتها مشغولة تماما بما يمكن أن تسفر عنه ثورة «يناير» الثانية. وليس هناك أي استبعاد لاحتمال بالغ الخطورة من وراء هذا الاهتمام الاميركي بأن تشرع الادارة الاميركية في الاستعداد لتطبيق السيناريو السوري في مصر. ولن تسمع في أي من شوارع القاهرة أو المدن الاخرى التي سيطرت عليها حالة الثورة من يعبر عن أية مخاوف نتيجة لهذا التدخل الاميركي المحتمل. الثورة مستمرة أيا كانت ردود الفعل من جانب السلطات الاخوانية وأيا كانت ردود الفعل من المركز هناك في واشنطن أو قريبا منها في البنتاغون أو قريبا منها على الناحية الاخرى حيث وكالة المخابرات المركزية الشهيرة.
وفي شوارع القاهرة تسمع من يتوقع بلا خشية من أي نوع ان الخطط البديلة، في حالة ما اذا قررت الادارة والقيادة الاميركية ان لا مجال للتدخل، يمكن أن تنفذ تحت علم دولة قطر. وفي هذا الاطار تأتي التوقعات في شوارع القاهرة بأن هزيمة سلطة «الاخوان» في مصر ستبدأ بهروب قادة هذه السلطة وقادة التنظيم نفسه الى قطر وغيرها من بلدان الثورة المضادة. وسيكون هذا ـ وفقا لما يتردد في الشارع المصري الثائر ـ أهم الأدلة على ان «الاخوان المسلمين» لم يكونوا في أي وقت جزءا من ثورة «25 يناير». وهو ادعاؤهم الذين يستندون اليه في تبرير زحفهم السريع على السلطة التي دانت لهم في المواجهة مع المجلس الاعلى للقوات المسلحة.
وعلى ذكر المجلس الاعلى للقوات المسلحة، فإن الشارع المصري يبدي اهتماما فائقا بما يمكن ان يكون عليه موقف الجيش المصري من الثورة وقد تجددت في مدن مصر بصورة أوقع وأشد تأثيرا مما كانت في البدايات في اوائل عام 2011. وتلقى بيانات القوات المسلحة المصرية اهتماما من الجماهير المصرية المشاركة في أحداث الثورة والمتابعة لها، تتناولها بالتحليل وتدقق فيها لمعرفة القصد من إصدارها. وحتى وقت كتابة هذه السطور فإن الحيرة بادية بشأن هذه البيانات وما اذا كانت تعني تحذير شباب الثورة من مواصلة طريقهم، أو اذا كانت تعني بالاحرى تحذيرا لسلطة «الاخوان المسلمين» في الحكم من ان الجيش لن يترك الامور لصراع دام بين هذه السلطة وجماهير الثوار والثوريين المصريين. وقد حظي بأقصى اهتمام من الجماهير المصرية كلها ـ كما من المراقبين الخارجيين ـ ما أعلنه الجيش المصري من انه «يقف على مسافات متساوية من الجميع».. أي من جميع أطراف الصراع الدائر بين القوى الثورية والحاكمة، وكذلك بين القوى السياسية التي تنقسم الى التنظيمات الدينية، إخوانية وسلفية وغيرهما من ناحية والتنظيمات السياسية الليبرالية واليسارية من ناحية اخرى.
بعض هذه القوى أبدى ما اعتبره حسن نية من جانب الجيش المصري في هذه العبارة حيث يوحي بالحياد التام بين الاطراف المتصارعة. وبعضها الآخر أبدى ما اعتبره اشارة غير صريحة من الجيش الى انه يتخذ موقفا مغايرا للموقف الذي كان قد التزم به في بداية ثورة «25 يناير» 2011 عندما أعلن صراحة انه في ذلك الصراع ينحاز للشعب المصري.. هكذا بوضوح وبغير لف أو دوران. وهو ما أدى الى تسريع تخلي حسني مبارك عن قمة السلطة.
ان سلطة «الاخوان» الآن مرشحة لانهيار يبدأ باستقالات من بعض شبابها، بل من بعض قياداتها الذين لا يرتبطون بالخارج، فستكون هذه الاستقالات المحتجة على التراجع والتراخي الاخواني والسير في غير طريق الثورة الدليل الاكيد على انفراط عقد التنظيم الاخواني كنتيجة مباشرة لطريقة هذا التنظيم في ممارسة السلطة.
لن يمضي وقت طويل قبل أن يتضح ان تحالف الادارة الاميركية مع «الاخوان المسلمين» هو نتيجة لهيمنتهم على السلطة. لا يفيد الاهداف الاميركية سقوط هذه السلطة بهذه السرعة.
ولن يمضي وقت طويل قبل أن يتضح ان الربيع العربي وجد في مصر بدايته الحقيقية.
السفير ـ الرادار

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com