انفجار الربيع العربي بقلم: نجيب نصير

انفجار الربيع العربي بقلم: نجيب نصير
لا تبدو الثقافات العربية متأثرة بانفجارات «ربيعها» المتوالي، حتى انها تبدو غير مبالية بها إلا من باب الرصد والتصنيف والتبويب ليس إلا، بحيث تبدو وكأنها خائفة على تأثر «منتجاتها» بلوثة السحر الغربي، الذي طالما أشهرت العداء له، بحجج واهية، بعيدة عن مقاييس الخطأ والصواب، مجترحة معارك وهمية، حول الهوية والتراث والعلمانية، والمضحك أنها لم تحقق أي انتصار حتى في هذه المعارك المخترعة من وهم الأصالة، والأحقية بسبب الأقدمية الزمنية لسلالة ثقافية، طالما حاول «المثقفون» إثبات وجودها، قبل التثبت من صلاحيتها، وجودتها النوعية، لتبدو ثقافات كهذه، وكأنها تعمل في إطار خيري، وفي سياق خارج عن الموضوعية، وهي تحاول الرد على الأسئلة الملحة للعصر، فرغم اعتمادها على التاريخ (وهذا جزء بسيط من اي حراك ثقافي شرط ان يكون حياً على الأقل) كسلالة ثقافية أو حتى تناسلية، إلا انها قسمته وشرذمته وقسرت الباقي منه على قول ما لا يحتمل قوله، قياساً الى العقل وإلى القراءات المتعددة له، حتى بدت هذه الثقافات كمصيبة «عربية» بامتياز، لم تنجز في محصلتها العملية إلا حفنة من الافتخارات التي تعبر عن الوجه الثاني لعملية جلد الذات. افتخارات قاتلة وكارثية، لإنها افترضت، بحكم توهمها نبل سلالتها الثقافية، أنها تستطيع أن تضع الأسئلة المناسبة والمقاييس المناسبة انطلاقاً من اكتمال معرفي موهوم، وتقدّر أيضاً، أختيار الإجابات المناسبة، متنصلة في الوقت ذاته من مسؤوليتها تجاه الثقافة العالمية، معتقدة أن شراكتها مع العالم تقتصر على استعارة بعض الأدوات منه، مقابل استخدام الفارابي وابن رشد وألف ليلة وليلة وغيرهم كدفعة في حساب هذه الشراكة، حتى يأتي أوان احتساب الحصص بعد الانتصار!
لقد فجر «الربيع العربي» هذه الثقافات وبعثرها، بدلاً من أن يقودها في سياق اجتماعي يفضي الى توليد المجتمع المفتقد بمعناه التقني، والموجود بمعناه اللغوي الاصطلاحي بحكم الخطأ الشائع، بحيث يبدو واضحاً، الإنتاج المنتظر ونوعيته وصلاحيته للعصر. ولا يحتاج المرء الى الكثير من العلم أو المعرفة، كي يكتشف أن المقاييس والمعايير المستخدمة لتقييم جدوى هذا «الربيع» أو ذاك، هي ذاتها التي أودت به. على الرغم من استعارة بعض الأدوات من الثقافة العالمية، حيث بدت هذه الأدوات ذاتها، غير صالحة في وضع ثقافي، غير قادر على إنتاج مجتمعه، ومن ثم دولته التي عليها ان ترعى الثقافة بمعناها الحقوقي أولاً وحصراً، حتى يستطيع «المجتمع» مقاومة الفناء.
ومع أن هذا الانفجار لم يكن سراً على أحد، إلا أن هذه الثقافات «العربية» تفاجأت به، حتى بدا هذا الانفجار كخروج عقائدي غير متوقع على الثقافات السائدة، فإعادة إنتاج الاستقرار العلمي المعرفي، لا تحتاج الى نوع كهذا من التغيير، فسارعت الى قمعه بشتى الأدوات، وأهمها توريطه بالمقاييس والمعايير التي اضحت مقدسة، (أفكاراً، وأشخاصاً، وحتى كلمات)، لتبدو الثقافة بمعناها المتداول (ثقف الرمح أي دببه وهذبه وجعله حاداً) العدو الأول لكافة أطراف «الربيع العربي» من حكام ومحكومين أو من «ثوار» و«موالين»، حتى ليبدو هذا الربيع كخروج على هذه الثقافة، ويجب تطويع أدواته وقسرها على ممارسة حتى محمولها العنفي إذا لزم الأمر، – وقد لزم وبشكل مبكر-، لتصبح هذه الثقافة نفسها ضد الثقافة، ووجب معاقبة خوارجها قبل ان تستفحل وتتحول الى «فتنة».
ليست مشكلة «الربيع العربي» هي في استبدال استبداد ثقافي بآخر، بل المشكلة في المعرفة المسبقة بأن هذا الاستبدال هو بين استبدادين، والمصيبة الأكبر هي البحث في تبرير شرعية أحدهما، بالقياسات المعرفية المتداولة ذاتها التي انتجت كل هذا الخراب، ضمن وهم كارثي بالحداثة والعدالة والجودة والصلاحية، ينتج ثقة مضللة بالنفس على أسس من اكتمال معرفي، يتفاخر أصحابه بمعرفتهم المطلقة بالحق والباطل، متجاهلين، لا بل مسفهين، مقاييس الخطأ والصواب المتجددة، في نشوة انتصار حق على باطل، مستعيدين الفردوس المفقود. فردوس ثقافة مهترئة.
لقد قفز «الربيع العربي» ثقافياً عن المطلوب، مرحلياً وإستراتيجياً، وهو توليد المجتمع المناسب والصالح لمقاومة الفناء على الأقل، لكن «المجتمع» في الثقافة العجوز هذه كان قد ولد من رحم اللغة، ولم يجرؤ على تجاوزها، مولداً (لغة فقط)، دولة وحكومة وأحزاباً ومؤسسات ومجتمعاً مدنياً وأهلياً وإلخ، لم تتجاوز في حضورها أو تأثيرها ألفاظ تعريفها اللغوية فحسب، مع ضمان إرجاعها الى اصلها اللغوي إطمئناناً على صحة لفظها واستخدامها في الكلام والكتابة، في تجاهل أصيل لمعناها التقني الذي يتجاوز كثيراً الآن معاني تنظيم السكنى الجماعية، والتسالم البدائي الذي تجاوزته البشرية، إلى الإنتاج وضمان تنافسيته وحمايته وحماية حسن توزيعه. وهنا تبدو الثقافات العربية في مأزقها العميق، نظراً لفقدانها البيئة الصالحة لطرح الأسئلة كمقدمة ضرورية لطرح الأسئلة الخطأ أو الوهمية. حيث نبدو أمام سببين مؤكدين لهذه السيرورة المتدهورة نحو إعادة إنتاج ثقافة غير صالحة للاستهلاك البشري.
الأول يكمن في عدم وجود خبرات ثقافية قادرة على إيقاف تدهور القيم الثقافية وانتقالها من الاحترام الى التبجيل ومن ثم الى القداسة، عبر أداء ثقافي متبلد او مستكين، أو خاضع للترهيب والترغيب بحيث يتم تدجينه لينتج ما هو أسوأ وأخطر من منتجات التبلد والاستكانة.
والثاني الهجوم على مولدات الثقافة التي تعتمد الخطأ والصواب بحجج الأكثرية والأغلبية التي تلتف على الديموقراطية تقنياً ومعرفياً، بحجج الحق والباطل التي تحتاج الى الكثير من المعرفة والتربية المدنية حتى يمكن إعادة اعتمادها من جديد.
لذلك يبدو «الربيع العربي» مجرد فصل من فصول الثقافات العربية التي قد لا تتمايز فيها الفصول، عبر استمرارية اجترارية لمفاهيم مبجلة ومقدسة.
الأداء الثقافي نفسه مستمر، منتجاً ملايين الأساتذة من التبسيطيين الجدد، الذين يفرضون مفاهيم مستعملة وبالية، على حراكات نحتاج مئات السنين كي نتخلص من آثارها، هذا في حال استطاعت هذه الثقافات توليد مجتمعاتها بمعناها التقني.
السفير ـ الرادار

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com