مصر فوق بركان بقلم: سمير كرم

مصر فوق بركان بقلم: سمير كرم
اليوم هو يوم الجمعة، السابع عشر من أيار 2013. ويمكن لهذا اليوم ان يكون يوم الغضب في مصر وليس مجرد يوم غضب كأي من ايام الغضب التي مرت بمصر منذ بدأت ثورتها في «25 يناير» 2011. بل يمكن أن يكون اليوم، يوم ثورة كاملة الأبعاد جماهيرياً ضد حكم تنظيم «الإخوان المسلمين».
مصر مفتوحة على الاحتمالات كافة، خاصة خلال الايام الاربعة والاربعين الباقية من حلول الذكرى السنوية الاولى لصعود «الإخوان المسلمين» ممثلين في شخص محمد مرسي الى رئاسة الجمهورية. فالحقيقة الساطعة لمن يعيش داخل مصر ويتابع الاحداث، انها فوق بركان ثائر من المؤكد ان ينفجر وتنطلق منه الحمم لتغير الواقع فيه وحوله. كل ما في الامر ان احداً لا يستطيع ان يحدد متى ينفجر البركان. الامر المؤكد انه حين ينفجر لن تستطيع قوة مهما كان تسليحها او تدريبها ان تقف في طريقه، وسيكون تنظيم «الإخوان» اول من يواجه حمم البركان حينما يثور.
من المؤكد ان «الإخوان المسلمين»، وبصفة خاصة قياداتهم، تصوروا ان صعودهم الى السلطة نهائي وأن لا قوة تستطيع ان تهز بقاءهم على عرشها. ويبدو ان وجودهم منذ التأسيس في العام 1928 مع اختلاف الظروف التي مروا بها، عزز لديهم هذا الاعتقاد بأن السلطة اذا جاءتهم ستبقى لهم، وأن أعدادهم الكبيرة، بحكم كبر الحجم السكاني لمــصر، تضمن لهم هذا التمسك بالسلطة. يضاف الى هذا اعتقادهم بأنهم دفعوا ثمناً غالياً قبل الوصول الى حكم مصر. إنهم يشعرون بأن كل يوم يضاف الى فترة توليهم السلطة يدعم وجودهم. ولهذا اعتقدوا ان الأخطاء التي يرتكبونهــا في الحكــم، وهي اخــطاء فادحـة في نظر الجماهير غير الإخوانية في مصر، لا في نظــر النخبة الإخوانية، لن تسهم في خلق اي درجة من المقاومة ضد حكمهم وضد أساليبهم في ممارسة هذا الحكم.
الآن تعيش مصر حالة مواجهة بين التنظيم الإخواني، بعدده وعدته، والعفوية الجماهيرية المصرية، التي راكمت مع الوقت شعوراً بمدى التشابه الذي يصل احياناً الى درجة التطابق بين «الإخوان» والنظام القديم الذي سبق «الإخوان» وعاش لثلاثين عاماً جاثماً فوق رؤوس الشعب المصري. لقد برهنت ممارسات «الإخوان» في السلطة على انهم لا يعبأون بانعكاسات الصورة التي يتركونها تتكون في أذهان الجماهير اذا وصلت الى حد خلق الشبه الكبير بين اساليب نظام حكم حسني مبارك وبينهم. ولكن غضب الجماهير المصرية بدرجاته المتفاوتة خلال الشهور الماضية قد برهن على ان الجماهير لن تسمح لهذا التماثل بأن يستمر وأن الثورة لا تزال قائمة مستمرة ضد الفساد وضد حجب الحريات.
لقد استطاعت التنظيمات السياسية والجماهيرية في مصر ان تثبت قدرتها على مناوأة الحكم الإخواني الذي يستند الى تنظيم مسلح ومدرب، وعلى إعلام يتسلح بالدين ويستخدمه اساساً في محاولة غزو العقل الشعبي المصري. لهذا ظهرت في الآونة الاخيرة الحركة الجماهيرية النشطة التي لم تتردد في ان تحمل اسم «تمرد»، تتخذ هذا الاسم شعاراً لها في وجه «الإخوان»، وان تباشر عملية جمع توقيعات المواطنين المصريين في المحافظات والمدن الكبيرة والصغيرة كافة، داعية الى تنحية محمد مرسي الإخواني من رئاسة الجمهورية. وخلال ايام قليلة كان عدد التوقيعات قد فاق المليونين. والهدف من هذه الحملة جمع ما يربو على خمسة عشر مليون توقيع بما يفوق ضعف عدد الاصوات التي حصل عليها مرسي في انتخابات الرئاسة قبل نحو عشرة اشهر.
تعرف غالبية الشعب المصري ان «الإخوان المسلمين» كتنظيم لن يكونوا مستعدين عندما يكتمل عدد التوقيعات للتسليم بضرورة الخروج من السلطة. تعرف الغالبية انهم سيناوئون الشعب والارادة الشعبية. لكن الامر المؤكد ان الجماهير لن تقف عند حدود استكمال أعداد التوقيعات انما ستكون هذه التوقيعات المليونية بمثابة الدليل الدامغ على ان الجماهير المصرية مصممة على إزاحة سلطة «الاخوان». والجماهير آخذة في الاستعداد لما بعد حملة التوقيعات وهي حملة الثورة بكل قدراتها. الثورة التي استطاعت ان تجبر مبارك ونظامه على التنحي خلال فترة من المظاهرات امتدت من «25 يناير» الى يوم التنحي وهو الحادي عشر من شباط 2011.
مصر مشغولة الى اقصى درجات الانشغال هذه الايام بالسؤال: اين سيكون موقع الجيش المصري من الآن حتى لحظة ثورة البركان؟
السبب الجوهري للسؤال هو الدور الذي أداه الجيش المصري في ثورة «25 يناير». والسبب الجوهري في استمرار التساؤل عن موقف الجيش من دون التوصل الى إجابة محددة هو ان الجيش نفسه، ممثلا في قائده العام وزير الدفاع الفريق اول عبد الفتاح السيسي، لم يقدم إجابة قاطعة على هذا السؤال. لم يخرج السيسي عن حدود التأكيد بأن الجيش لا يتدخل في الشأن السياسي. عن حدود التأكيد بان «هناك حراكاً كبيراً يتم في البلد لا بد ان يشارك فيه الجميع كشعب وليس كجيش. ان هناك من يتحدث من دون ان يعرف معنى نزول الجيش الى الشارع. وهذا امر في غاية الخطورة… «هذا الجيش نار، فلا تلعبوا به»، ومع كل التقدير لكل من يقول للجيش بضرورة نزوله إلى الشارع، «خلاص لو حصل ده لن نتكلم عن مصر لمدة ثلاثين او اربعين سنة» (تأكيدات الفريق اول السيسي في يوم 11 من الشهر الحالي).
وكلمات القائد العام للجيش مفتوحة لتفسيرات كثيرة ابتداءً من التحذير من تصور تدخل الجيش ضد «الإخوان المسلمين» الحكام، الى تحذير الإخوان المسلمين أنفسهم من تصور إمكان الاستعانة بالجيش للتمسك بالسلطة. وما بين هذين التفسيرين كثير (…)
وعلاوة على هذا كله يستولي على المصريين في هذا الوقت الخطر شعور بأنهم يوشكون على فقدان منطقة قناة السويس التي ارتبطت بتضحيات تفوق الوصف من ملايين المصريين من تأسيسها الى الحروب دفاعا عنها. ذلك ان السلطة الإخوانية تلوح بوجود مشروع لتطوير هذه المنطقة من خلال خطة لبيعها، ربما لقطر، بهدف كسب مليارات كثيرة من الدولارات تصلح بها مصر سوءات الانهيار المالي والاقتصادي التي تسبب فيها حكم «الإخوان» الفاقد القدرة على التمييز بفعل نقص خبرة الحكم. ويسود الشعور الجارف بأن المصريين لن يسمحوا لأي سبب بأن تباع قناة السويس او تنقل ملكيتها على اي نحو. وقد ذهبت التساؤلات الى حد التساؤل: اين يقف الجيش المصري من هذا الخطر؟ وإجابات الجيش لا تزال تترك المصريين في حيرة حقيقية ازاء تفسيرات متناقضة.
ويستمر الشعب المصري في رصد مواقف «الإخوان» ليلمس بمشاعره وتجارب الماضي مسألة موقفهم من إسرائيل، وبالتالي من الولايات المتحدة. ويصل هذا الرصد الى نقطة الحكم بأن تراجع «الإخوان» عن شعاراتهم الدينية والسياسية والثقافية ضد اسرائيل وضد اميركا وصل الى مداه الأقصى، وهو نقطة امتناعهم وهم في السلطة عن النطق بأي شيء ضد اسرائيل او اميركا. بل ذهبوا الى حدود الامتناع عن تنظيم اي تظاهرات ضد اسرائيل وسياساتها في اقصى ما تذهب اليه من عدوان حتى داخل سيناء المصرية او غزة الفلسطينية. فقط منذ ايام قرر الإخوان المسلمون تنظيم تظاهرة ضد اسرائيل محدودة الحجم ومحدودة التغطية تحسباً لقرب وقت انتخابات مجلس النواب المصري الذي يريد «الإخوان» ان تدين الاغلبية فيه لهم. ومعنى هذا ان ان قيادات تنظيم «الإخوان» تمسك جيداً خيوط حركة «الجماهير الإخوانية»، وذلك باعتبار أن أعداد «الإخوان» تصل الى جعل وصفهم بالجماهير مقبولا وإن لم يكن دقيقاً (…).
يبقى السؤال عن احتمالات مركز او مراكز «الإخوان» خارج مصر. فتنظيماتهم تشمل كل البلدان الإسلامية، وإن كانت مصر هي بلد المنشأ. لقد اوضحت أحداث تونس وليبيا وسوريا واليمن، كما أحداث مالي ونيجيريا وبالمثل تركيا، سعى «الإخوان» الى الحكم كما في مصر. فكيف ستكون انعكاسات التراجع الإخواني في مصر حتى بعد الصعود الى السلطة على اوضاع «الإخوان» في البلدان العربية والإسلامية الاخرى؟
الأغلب ان الإجابة عن هذا السؤال يتحتم ان تنتظر مصير «الإخوان» في مصر وخاصة نزولهم عن الحكم قسراً.
ويبدو هذا امراً مؤكداً وستكون له انعكاساته على مواقع «الإخوان المسلمين» خارج مصر. لهذا يصبح السؤال كيف ستكون تأثيرات ثورة البركان في مصر على المواقع الأخرى؟ فلننتظر حدث ثورة البركان الكبير.
السفير ـ الرادار

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com