بعدما توقف الزمن ..(أنيس) يعيد عقارب أكبر الساعات السورية

بعدما توقف الزمن ..(أنيس) يعيد عقارب أكبر الساعات السورية

يداه تستقبلان أصغر (البراغي) مطأطأ رأسه محدقاً وسط الطاولة المليئة بالقطع الميكانيكية لساعة كبيرة جداً لم تدور عقاربها منذ عشرات السنوات ولم يسمع صوت أجراسها منذ خمسين عاماً إنه “أحمد أنيس” الساعاتي المبادر لإصلاح أكبر ساعة في مدينة حلب (باب الفرج) متبرعاً بأجور الإصلاح فيما تكفّلت “مبادرة أهالي حلب” بنفقات قطع التبديل وترميم برجها الخارجي، إنه أعاد لساعة المدينة الروح، وضبط نبضها من جديد ليطرب بسماع دقاتها أهالي حلب ، هو المهندس الذي يعشق الميكانيك، ويهوى الساعات منذ صغره، ليتحول حبه للساعات لشغف جميل  “الرادار” يسرد لكم قصة المهندس “أحمد أنيس” الساعاتي الذي أعاد للكثير من الساعات السورية دقاتها، وليس فقط  ساعة باب الفرج، وليسرد لنا حكاية عشقه للساعات الكبيرة وتحديه للعقارب كطبيب يجتهد ليصلح ما أفسده الدهر.

26

الخال المعلم:

أهالي حلب أمام شخصية شابة لابد من شكره، فتطوعه لإصلاح الساعة تشكل حالة استثنائية لدى الشباب وهم كثر، الشباب الذي يعمل بدافع محبته لبلده ومحبته لمعالمها وشغفهم بتحقيق انجازات لمدينتهم وإيمانهم بها إنه الساعاتي “أنيس” أخر فرسان (الساعاتيه) ومصلحي الساعات الكبيرة في زمن باتت ساعة اليد مهملة بسبب وجود ساعة رقمية على أجهزة الهواتف النقالة الحديثة والذكية، إنه الفارس الأخير (الشاب) المندفع لإصلاح أي ساعة كبيرة متوقفة يقول:

“بعد دخول ساعة اليد اندثرت مهنة مصلحي الساعات الكبيرة والمعلمين القدامى تركوا المهنة ولم يخرج شباب جدد يعمل في هذا المجال، وخالي هو السبب بأن جعل هوايتي بهذا الاتجاه وهو يملك من الخبرة بساعات (الجيب) القديمة والساعات الكبيرة واعطاني معرفة وحرفة أكبر مما تصورت”.

4

شغفه وعشقه لإصلاح الساعات بدأت منذ صغره في محل خاله “عدنان فارس” الواقع بجانب محل “أبو عبد الفوال” في حي الجديدة، أبهرته أصالة وجمال التحف القديمة من الساعات القديمة، وترك خاله تأثيراً كبيراً بتعليمه فنون إصلاح الساعات اليدوية ليتابع الفتى “أنيس” في ذلك الوقت خطواته ويتدرج بالمهن ويصبح قبل دخول الجامعة من أصحاب المهنة “أهلي كانوا يدفعوني لأن أتعلم المهنة بجانب دراستي  لأني إن درست وأفلحت نعمة من الله واذا لم أدرس وتعلمت المهنة فهنا أكون قد كسبت مهنة أعيش منها وهذا المنطق السائد في حلب وفي الصيف كان خالي يعلمني ويعطيني أسرار (المصلحة) بتصليح الساعة ومهارة التعامل معها” ويردف قائلاً: “كل ذلك كان قبل دخولي الجامعة لدراسة الهندسة وبعدها انتقلت إلى العمل في مجال الآلات الصناعية الكبيرة”.

333

التحدي الكبير:

المهندس “أنيس” يكمل حكايته لـ “الرادار” فبعد اتقانه وتعلمه أسرار إصلاح الساعات الصغيرة بدأ الشاب بالاجتهاد أكثر لمعرفة المزيد عن الساعات الكبيرة إنه التحدي الكبير والشغف بأن يصلح ساعة كبيرة وبفضل اجتهاده قام بإصلاح عدداً لا بأس به من الساعات الكبيرة منها ساعة “محطة الحجاز”، و”متحف القدم” وكلاهما بدمشق، وساعة “دير صيدنايا” بريف دمشق، وإصلاح ساعة الحديقة العامة بحلب، وحبه للساعات الكبيرة لم يتوقف عند هذا الحد بل فكر جدياً بتصنيع ساعات كبيرة كتحد أكبر من إصلاحها، ليصبح للوقت (العقارب) ودقات الساعات غرام من نوع أخر لا ينتهى لشاب يهوى الزمن وليصنع بحسب قوله:

“صنعت ساعات كبيرة منها ساعة كبيرة في فندق (داما روز) وصنعت ساعة كبيرة أخرى في ساحة مدينة “سلقين” وقمت بتركب ساعات كبير جديدة بـ “تل منين” وأخرى بـ “محطة القدم” وشاركت بمعارض قمت بتركب ساعات كبيرة فيها”.

10

نشوة العودة:

أخر أعماله إعادته الحياة لساعة باب الفرج، وأخذت عقاربها المتوقفة بالدوران برشاقة، عادت لتتحرك من جديد، وليسجل التاريخ أنه في الساعة (11) من مساء يوم 29 في حزيران من العام الجاري سُمع صوت دقاتها، ليقف وراء هذا الانجاز رجالٌ أحبوا مدينتهم، وناضلوا لتبقى معالمها شامخة كشموخ قلعتها الصامدة.

أجراس الساعة تقرع ودقات عقاربها تُسمع كلحن موسيقي شجي لتبهج قلوب أهالي حلب وتثلج صدورهم، صوت الأجراس المنبعثة منها مع دقاتها دفعت الكثير من العائلات لالتقاط الصور بجانب ساعة مدينتهم الشهيرة، وليبثوا مقاطع مصورة لصفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، إنها الساعة الخالدة في ذاكرتهم، ومعلمٌ من معالم مدينتهم التي لا تموت.

“إنها (النشوة) بعد أن كان لدي خوف شديد بالنسبة لإصلاح ساعة كونها تحفة فنية وأثرية” هكذا علقّ الساعاتي “أنيس” حين سؤاله عن أول شعور وصله حين دقة أجراس الساعة ليتابع قائلاً:

” كان لدي رهبة فالبعض قد ينظر لها على أنها قطعة حديد لا معنى لها ولكنها تحفة بالنسبة لي وأكثر من مرة شاهدت التجارب الفاشلة لمن أقدم على صيانتها وما تسببوا لها من أضرار لكن تشجعت بالتطوع لإصلاحها بعد أن أطلق المحامي “علاء السيد” طلب ومبادرة لإصلاح ساعة باب الفرج المتوقفة من عشرات السنوات”.

هذه المبادرة من الشاب المهندس وفّرت كمية كبيرة من العملة الصعبة (بالدولار) كانت تشترط الشركات العالمية دفعها لتأتي ولتصلح ساعة باب الفرج المتوقفة ولتثبت اليد الوطنية قدرتها، والعقل السوري عبقريته يقول:

“أخر إصلاح لها كان في احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية لتعود للعمل لزمن قصير بعد صيانتها من قبل شركة تتولى صيانة ساعة “بيغ بن” اللندنية وبعده توقفت منذ ذلك التاريخ”.

يضيف: ” تكمن أهمية هذه الساعة بالنسبة للمدينة وأهلها فهي تتوسط المدينة وتتوضّع ضمن بناء ببرج حجري يعود إلى 1898 ولا يوجد لها مثيل في العالم إلا ساعة وحيدة في كنيسة أثرية في انكلترا”.

7

خلال الازمة تم سرقة بعض قطعها بحسب قول “أنيس” كون قطعها من نحاس وهي مخمدات الصوت ومهمتها التحكم بدق الأجراس ويضيف قبل أن أبدأ بالعمل تم توثيق القع الموجودة من قبل مديرية الأثار بالكامل لكل قطعة قبل وبعد بالنسبة لحالة الساعة، كما أنها عادت لحالتها الاصلية كما صنعت بأول يوم صنعت فيه لكنها بحاجة الى صيانة بشكل دوري ويجب متابعتها “.

منارة حلب:

يقول المؤرخون من أبناء حلب أن الساعة يطلق عليها (منارة حلب) وهي ذات طراز معماري فريد ويعتلي البرج فتحات دائرية في كلّ واجهة من الواجهات الأربع كما ويوجد في كلّ فتحة قرص للتوقيت، يمكّن المواطنين العابرين في الشوارع المحيطة بالساعة من معرفة التوقيت.

وإنَّ كلّ قرصين متقابلين يعملان بتوقيت يختلف عن توقيت القرصين الآخرين اثنان للتوقيت (العربي) واثنان للتوقيت (الغربي) كما يعتلي هذا البناء أفريز بارز، وكأنه نصف دائرة يرتفع فوقها الجسم العلوي، ويسمى (الفونس) فيه ست نوافذ، وكوى دائرية، وينتهي بأعلى القسم العلوي جهاز لمعرفة اتجاه الرياح.

الرادار ـ مصطفى رستم

 

 

مقالات ذات صله

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com